كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 6)
لَفَعَلَهُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ الرَّجُلَ يَفْعَلُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ لَا فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا (¬1) ، بَلْ لَا يَفْعَلُ مَا لَا غَرَضَ لَهُ فِيهِ أَصْلًا، وَيَتْرُكُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، مَعَ صِحَّةِ الْعَقْلِ [وَحُضُورِهِ] (¬2) وَطُولِ الْوَقْتِ.
وَلَوْ قُدِّرَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - أَنَّهُ كَانَ عَدُوًّا مُبْغِضًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَايَةَ الْبِغْضَةِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ نَالَ بِسَبَبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا نَالَهُ مِنَ السَّعَادَةِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَادِقٌ مُصَدَّقٌ (¬3) ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَذْكَى النَّاسِ، وَدَلَائِلُ النُّبُوَّةِ مِنْ أَظْهَرِ الْأُمُورِ، فَهُوَ يَعْلَمُ (¬4) أَنَّهُ إِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى مُعَادَاتِهِ يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ لَهُ وَقْتَ الْمَوْتِ غَرَضٌ فِي وِلَايَةِ عُثْمَانَ وَنَحْوِهِ، فَكَيْفَ يَصْرِفُ الْأَمْرَ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ؟
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَخَافُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ رَجَعَ وَتَابَ، كَمَا خَافَ أَبُو طَالِبٍ مِنَ الْإِسْلَامِ وَقْتَ الْمَوْتِ.
فَيُقَالُ: قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ وِلَايَةَ عَلِيٍّ بِلَا إِظْهَارِ تَوْبَةٍ، فَإِنَّهُ لَوْ وَلَّى عَلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ لَسَمِعَ النَّاسُ وَأَطَاعُوا، وَلَمْ يَنْتَطِحْ فِي ذَلِكَ عَنْزَانِ. وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ مَظَالِمُ فَيُؤَدِّيهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ كَانَ ظَالِمًا، فَيُوصِي وَقْتَ
¬_________
(¬1) ن، م: وَلَا فِي دُنْيَا.
(¬2) وَحُضُورِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(¬3) ح، ب: مَصْدُوقٌ.
(¬4) ن، م: الْأُمُورِ فَعَلِمَ.
الصفحة 166