كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 7)

الثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ لَيْسَ بِثَابِتٍ (¬1) .
الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ يُنْفِقُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، فَمَنْ عَمِلَ بِهَا دَخَلَ فِيهَا (¬2) ، سَوَاءٌ كَانَ عَلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يُرَادَ بِهَا إِلَّا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ (¬3) .
الرَّابِعُ: أَنَّ مَا ذَكَرَ (¬4) مِنَ الْحَدِيثِ يُنَاقِضُ مَدْلُولَ الْآيَةِ ; فَإِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي الزَّمَانَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَخْلُو الْوَقْتُ عَنْهُمَا، وَفِي الْحَالَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَخْلُو الْفِعْلُ مِنْهُمَا. فَالْفِعْلُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَمَانٍ، وَالزَّمَانُ إِمَّا لَيْلٌ وَإِمَّا نَهَارٌ. وَالْفِعْلُ إِمَّا سِرًّا وَإِمَّا عَلَانِيَةً ; فَالرَّجُلُ إِذَا أَنْفَقَ بِاللَّيْلِ سِرًّا، كَانَ قَدْ أَنْفَقَ لَيْلًا سِرًّا. وَإِذَا أَنْفَقَ عَلَانِيَةً نَهَارًا، كَانَ قَدْ أَنْفَقَ عَلَانِيَةً نَهَارًا. وَلَيْسَ الْإِنْفَاقُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً خَارِجًا عَنِ الْإِنْفَاقِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا بِالسِّرِّ، وَدِرْهَمًا فِي الْعَلَانِيَةِ، وَدِرْهَمًا بِاللَّيْلِ، وَدِرْهَمًا بِالنَّهَارِ - كَانَ جَاهِلًا، فَإِنَّ الَّذِي أَنْفَقَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً قَدْ أَنْفَقَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالَّذِي قَدْ أَنْفَقَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا قَدْ أَنْفَقَهُ سِرًّا وَعَلَانِيَةً. فَعُلِمَ أَنَّ الدِّرْهَمَ الْوَاحِدَ يَتَّصِفُ بِصِفَتَيْنِ، لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَرْبَعَةً.
لَكِنَّ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ الْبَاطِلَةَ يَقُولُ مِثْلَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ، كَمَا يَقُولُونَ:
¬_________
(¬1) انْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِآيَةِ 274 مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَانْظُرْ مَا رَوَاهُ مِنْ أَحَادِيثَ وَآثَارٍ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْخَيْلِ أَوْ فِي الَّذِينَ يَعْلِفُونَ الْخَيْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ حَدِيثًا مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ وَنَسَبَهُ إِلَى ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ثُمَّ قَالَ: " وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ".
(¬2) فِيهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
(¬3) س، ب: أَنْ يُرَادَ بِهَا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ.
(¬4) م: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ.

الصفحة 229