كتاب منهاج السنة النبوية (اسم الجزء: 8)
لَكِنْ نَازَعَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَا نَازَعَ عُثْمَانَ أَكْثَرُهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} الْآيَةَ [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 9] .
قَالُوا: فَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ ابْتِدَاءً، بَلْ إِذَا وَقَعَ قِتَالٌ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى قُوتِلَتْ. وَلَمْ يَقَعِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: " تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ "، رَوَاهُ مَالِكٌ بِإِسْنَادِهِ الْمَعْرُوفِ عَنْهَا (¬1) .
وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ لَا يَجُوزُ [إِلَّا] أَنْ يَبْتَدِءُوا (¬2) الْإِمَامَ بِالْقِتَالِ، كَمَا فَعَلَتِ الْخَوَارِجُ مَعَ عَلِيٍّ، فَإِنَّ قِتَالَهُ الْخَوَارِجَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، ثَابِتٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ قِتَالِ صِفِّينَ، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَبْتَدِءُوا بِقِتَالٍ، بَلِ امْتَنَعُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ.
¬_________
(¬1) لَمْ أَجِدْ هَذَا الْأَثَرَ مَرْوِيًّا عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ جَاءَ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ 8/172 (ط. حَيْدَرَ آبَادَ، 1354) عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَغِبَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ السُّيُوطِيُّ فِي " الدُّرِّ الْمَنْثُورِ 6/91 وَقَالَ: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ.
(¬2) ن، س: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَدَءُوا. .، م لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَدَأَ. . . وَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ مِنْ (ب) .
الصفحة 232