كتاب المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ومن ذلك قوله تعالى: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ} (¬1)، أي: لكنِ المظلومُ يجهرُ بالسوء، فيكون بذلك أعذرَ ممن يَبدأ بالظلم (¬2).
وأما مَن جعل (إلا) بمعنى (الواو)؛ فيصبحُ معنى الآية عنده: ولا الذين ظلموا؛ أي: لا يكونُ لهم حجةٌ أيضًا، فأدخلوا الثانيَ في حكم الأول، ومن ذلك قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} (¬3)؛ أي: والذي شاء ربُّك، ويرى ابنُ جرير أن المعنى: سوى ما شاء ربك (¬4).
هذا، وجمهورُ النحويين لا يُجيزون مجيء (إلا) بمعنى (الواو) (¬5)؛ لكون الاستثناءِ يُخرج الثانيَ من حكم الأول، والواوُ للجمع، فتُدخل الثانيَ في حكم الأول، فلا يمكنُ أن يكون أحدُهما بمعنى الآخر (¬6).
وأما مَن قال: إن (إلا) معناها (بَعْدَ)؛ فيصبحُ معنى الآية عنده: حجةٌ بَعْدَ الذين ظلموا.
وقد وُصِف هذا الرأيُ بالغرابة والفساد والنُّكْر (¬7).
ومما سبق يمكنُ القول بأن الاستثناء هو أقربُ الأقوال وأبيَنُها كما وصفه ابنُ الملقن؛ لبقاء (إلا) على أصل وضعِها، ولبعدِ الخلاف حول هذا الرأي.
¬_________
(¬1) النساء: 148.
(¬2) معاني القرآن للأخفش 1/ 269، جامع البيان في تأويل القرآن 9/ 344، معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 110.
(¬3) هود: 107.
(¬4) جامع البيان في تأويل القرآن 19/ 433.
(¬5) معاني القرآن للفراء 1/ 89، جامع البيان في تأويل القرآن 9/ 344، الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 216، مفاتيح الغيب 17/ 275، الدر المصون في علم الكتاب المكنون 2/ 178، الجنى الداني في حروف المعاني 518.
(¬6) الدر المصون في علم الكتاب المكنون 2/ 178.
(¬7) الجنى الداني في حروف المعاني 521، الدر المصون في علم الكتاب المكنون 2/ 178.

الصفحة 152