كتاب المسائل النحوية في كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ومثله قولُ ابن الرُّقَيَّات (¬1):
لَنْ تَرَاهَا وَلَوْ تَأَمَّلْتَ إلا ... وَلَهَا فِي مَفَارِقِ الرَّأْسِ طِيبَا (¬2)
وإنما نصَبَ هذا لأنه حين قال: (وافقته) وقال: (لن تراها)، فقد عُلم أن الطيبَ والسباعَ قد دخلا في الرؤية والموافقة، وأنهما قد اشتملا على ما بعدهما في المعنى (¬3).
وقدَّر الفراءُ: انتهوا انتهاء خيرًا لكم، على أنها نعتٌ لمصدر محذوف (¬4)، وضعَّف ابنُ الملقن هذا الرأيَ؛ لظنه أن الفراءَ بناه على إضمار (كان) لغيرِ دليل يدل عليها، وصحيحٌ أنَّ (كان) الناصبةَ لا تُضمر إلا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها؛ كقولهم: (إن خيرًا فخير)، لكنَّ الفراء إنما بنى النصبَ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف، ومع هذا فقد رُدَّ قولُ الفراء بقولهم: (حسبُك خيرًا لك)؛ فإن تقدير مصدرٍ ههنا لا يحسُن، وبقولهم: (وراءَك أوسعَ لك)؛ فإن (أوسع) صفةٌ لمكان لا لمصدر. وعلى هذا فلا يصلحُ أن يراد به المصدرُ.
وخلاصةُ القول: إن جعلت (خيرًا) خبرًا لـ (كان) المقدرةِ فهذا خطأٌ في تقدير العربية، وإن قُدرت نعتًا لمصدر محذوف كما يرى الفراءُ، فالمعنى لا يناسبُ ذلك، لأنه يكون المعنى: (انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم) (¬5)، فتعين القولُ بأن يكون المقدرُ فعلًا مضمرًا (¬6).
هذا، وقد أجاز ابنُ مالك إضمارَ (كان) الناقصةِ وإن لم تكن بعد (إنْ) و (لَوْ)، وذلك على قلة، بقوله: "وربما أُضمرت الناقصة بعد (لدن) وشبهِها" (¬7)، فمثالُ إضمارها بعد (لدُن): قولُ الشاعر (¬8):
مِنْ لَدُ شَوْلًا فَإِلَى إتِلَائِها (¬9)
¬_________
(¬1) عبد الله بن قيس الرقيات، شاعر أموي ت 75 هـ، ديوانه 5.
(¬2) البيت من الخفيف، الكتاب 1/ 285، الخصائص 2/ 431، الانتخاب لكشف الأبيات المشكلة الإعراب 1/ 20.
(¬3) الكتاب 1/ 284.
(¬4) مشكل إعراب القرآن لمكي 1/ 214، المعلم بفوائد مسلم 1/ 327، ولم أجد هذا التخريح في معاني القرآن للفراء.
(¬5) إعراب القراب الكريم للنحاس 219.
(¬6) شرح التسهيل 2/ 160.
(¬7) المصدر السابق 1/ 364.
(¬8) من الخمسين بيتا المجهول قائلها في الكتاب 1/ 264، همع الهوامع 1/ 443، شواهد التوضيح 190.
(¬9) البيت من الرجز المشطور الكتاب 1/ 265، همع الهوامع 1/ 443، شواهد التوضيح 190.