كتاب مسند أبي يعلى - ت السناري (اسم الجزء: 3)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------
= قلتُ: وهو ليس بذاك، ثم أتى مالك بن أنس وابن عيينة وابن إدريس ويحيى بن سعيد الأنصارى وقرينه الأموى ووكيع وجماعة آخرون، كلهم رووه عن هشام عن أبيه به مرسلًا مثل لفظ مسلم بن خالد الماضى.
وقد اختلف في سنده على هشام على ألوان أخر غير التى مضت، وقد رجَّح الدارقطنى من تلك
الوجوه كلها: الوجه المرسل، فقال في "علله" [٤/ ٤١٥]: "والمرسل عن عروة أصح".
قلتُ: والناهض عندى: أن هذا الاختلاف أكثره من هشام بن عروة نفسه، فقد تغير حفظه قليلًا لمَّا كبر كما قاله جماعة من النقاد، وكذا تكلم بعضهم في حديثه بالعراق، فقال يعقوب بن شيبة: "هشام مع تَثَبُّتِهِ ربما جاء عنه بعض الاختلاف، وذلك فيما حدث بالعراق خاصة، ولا يكاد يكون الاختلاف عنه فيما يفحش؛ يُسند الحديث أحيانًا، ويرسله أحيانًا، لا أنه يقلب إسناده، كأنه على ما تذكَّر من حفظه ... وهذا فيما نرى أن كتبه لم تكن معه بالعراق فيرجع إليها" نقله عنه ابن رجب في "شرح العلل" [ص ٣٣١/ طبعة السامرائى]، وقبل ذلك [ص ٢٧٠]، نقل عن الأثرم أنه قال لأحمد: "هذا الاختلاف عن هشام، منهم من يرسل، ومنهم من يُسْند عنه، من قبله كان؟! قال: نعم"، ثم في [ص ٢٧٢]، نقل عن القاضى إسماعيل أنه قال: "بلغنى عن عليّ بن المدينى: أن يحيى القطان كان يضعف أشياء حدث بها هشام بن عروة في آخر عمره؛ لاضطراب حفظه بعدما أسنَّ، وسمعتُ على بن نصر وغيره يذكرون نحو هذا عن يحيى بن سعيد).
قلتُ: فالحاصل أن رواية أهل العراق عن هشام قد يقع الغلط فيها منه لا منهم، ورواية غيرهم عنه أصح من غيرها، وقد نقل ابن رجب في [ص ٢٧٠]، عن أحمد أيضًا أنه قال في رواية الأثرم عنه: "كأن رواية أهل المدينة عنه أحسن - أو قال: أصح" وهذا الحديث قد رواه عنه من أهل المدينة جماعة: منهم مالك بن أنس وأنس بن عياض وابن أبي الزناد - إن صح، عنه - فأما مالك فقد رواه عنه عن أبيه عروة به مرسلًا كما مضى.
وأما أنس بن عياض وغيره فقد رووه عنه عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبى رافع عن جابر به ... كما مضى أيضًا. فهذان الوجهان هما أصح تلك الوجوه كلها، وبهذا جزم ابن عبد البر في "التمهيد" [٢٢/ ٢٨٢]، فقال بعد أن ذكرهما: "وهما عندى حديثان عند هشام، أحدها: عن أبيه - يعنى مرسلًا - والآخر عن عبيد الله بن أبى رافع، ولفظهما مختلف، فهما حديثان". =

الصفحة 593