. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------
= لكن عادة أبى محمد في زيادة التشنيع والتهويل ربما كانت أحيانًا من قلة علمه بدليل المخالف أحيانًا، أو لضعف حجته هو في مكان آخر.
فنحن هنا: نجزم بخطأ ابن إسحاق في لفظ الحديث، ولا بأس بإطلاق النكارة عليه، أما أن نصفه بكونه خبرًا ولده الكاذبون والملحدون وأضرابهم، فهذه مجازفة بعيدة الغور، بل جرأة عجيبة لا تليق إلا بأبى محمد وحسب، وقد ناقشناه طويلًا في "غرس الأشجار".
وابن إسحاق ما يسعنا إلا الاعتراف بإمامته في فنه وهو "المغازى"، و"السير" وقد تجافاه قوم في الأحكام والحلال والحرام، والكلام فيه طويل الذيل كما هو معلوم. والرجل عندنا مقبول الرواية في كل شئ صرح فيه بالسماع، ما لم يخالفه من هو أثبت منه، أو يأت بما ينكر عليه، وقد خولف هنا كما مضى، ولا تنس قولة الذهبى عنه في كتابه "العلو" [ص ٤٤ - ٤٥]، (وابن إسحاق حجة في المغازى إذا أسند، وله مناكير وعجائب) فلنعدُّ هذا الحديث من عجائب مناكيره، أو من مناكير عجائبه.
وأما الإِسناد الثاني: فيرويه ابن إسحاق أيضًا عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن أبيه عن عائشة به نحوه .... كما عند المؤلف مقرونًا مع الإسناد الماضى [برقم ٤٥٨٨]، وهكذا أخرجه ابن ماجه [١٩٤٤]، والدارقطنى في "سننه" [٤/ ١٧٩]، والبيهقى في "المعرفة" [٤٩٥٩]، والبزار في "مسنده" ومن طريقه ابن حزم في "المحلى" [١١/ ٢٣٥ - ٢٣٦]، من طريقين عن ابن إسحاق بإسناده به.
قلتُ: وهذا إسناد ضعيف معلول؛ أما ضعفه: فلكون ابن إسحاق لم يذكر فيه سماعًا، وهو قبيح التدليس كابن جريج، وأما كونه معلولًا: فإن ابن إسحاق قد خولف في سنده ومتنه؛ خالفه إمام البصرة ومحدثها، هو ذا شيخ الإسلام حماد بن سلمة الإمام العلم، فرواه عن عبد الرحمن بن القاسم فقال: عن أبيه عن عمرة عن عائشة أنها قالت: (كان فيما أنزل الله من القرآن ثم سقط، لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات).
هكذا أخرجه ابن ماجه [١٩٤٢]- واللفظ له - والطبرانى في "الأوسط" [٣/ رقم ٢٦١١]، وأبو محمد الفاكهى في "حديثه" [رقم ٣١]، والطحاوى في "المشكل" [٥/ ١٤١]، وغيرهم من طرق عن حماد بن سلمة به ...
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن القاسم إلا حماد". =