. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------
= قلتُ: وحماد حجة فيما لم يخالف فيه؛ أو يأت بما ينكر عليه. وروايته هذه قد كشفت لنا غلط ابن إسحاق في سياق الحديث الماضى وسنده.
أما السياق: فقد مضى لفظ.
وأما سنده: فإن حماد د زاد فبه (عمرة) بين القاسم وعائشة، وقول حماد أشبه بالصواب كما يقول الدارقطنى في "علله" [٥/ ١٥٠ - ١٥١/ مخطوط] بل هو عين الصواب بلا جدال.
وأنَّى يلحق ابن إسحاق حماد بن سلمة؟! أفى إتقانه؟! أم ضبطه وحفظه؟! أم صلابته في السنة؟! أم شدته على أهل البدع؟! أم ماذا؟! لا أعلمه يفوق حمادًا إلا في فنون "المغازى" و"السير"، فذا شئ مسلَّم إلى ابن إسحاق بلا ريب، لا يلحقه في ذلك حماد بن سلمة ولا ابن زيد ولا مالك ولا شعبة ولا الثورى وهؤلاء الكبار، وإن كان واحد هؤلاء يزن بابن إسحاق في الضبط عشرات مثله، فاعرف الناس بالإنصاف والعدل يعرفك الله؛ ولا يحملنك ما قيل في ابن إسحاق على أن تغمصه حقه ومنزلته، فهو واللَّه الإمام الصدوق المحدث العلامة الإخبارى الحسيب النسيب؛ غالى فيه جماعة ورفعوه فوق منزلته، وخفض منه آخرون وأسقطو حديثه كله، والحق ما قلته لك.
وقد بسطنا الكلام في شرح حاله واختلاف النقاد بشأنه في كتابنا "غرس الأشجار" واستوفينا هناك الكلام على هذا الحديث؛ وذكر ما أبداه جماعة من المتقدمين في نكارة متنه، وتلك النكارة مدفوعة عندى لو كان ابن إسحاق لم يخالف فيه، فمن عذيرنا وقد خولف الرجل؟!
وقد كنا قديمًا نحسن الظن بهذا الحديث، ونراه حديثًا حسن المتن والإسناد معًا، كما أشرنا إلى ذلك فيما علقناه على مختلف الحديث لابن قتيبة [ص ٣٩٥/ طبعة دار الحديث]، وكنا آنذاك قد أوتينا حَظّا من شدة الجهل، وقلة العلم والفهم، ولا نبرئ أنفسنا من بعض ذلك الآن، بل الجهل بنا محيط أبدًا إن لم يتقبل الله منا صالح الأعمال، فيا ويل نفسى ومصابها إن كنا أردنا بما نسطره وجوه الناس، ووافضيحتى يوم النشور إن كان غايتى من طلب العلم هو تحصيل الدرهم والدينار! والله لقد خبت وخسرت إن لم أكن أحتسب تعبى وسهرى وضعف نور عينى في تحضيل العلوم عند ربى وخالقى ومولاى، فيا قوم، من يرض عنى إذا كان الذي في السماء عليَّ ساخطًا؟! وأى شئ يجدينا إذا كان سيدى لا يرضى بى، فإلى من أذهب وأين المخرج؟! فكم أتجنى عليَّ نفسى وهى مهلكتى؟! وإلى متى أتجاوز قدرى وأنا الضعيف الحقير. =