كتاب مسند أبي يعلى - ت السناري (اسم الجزء: 8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------
= وكلا الرجلين: روى عنهما بقية بن الوليد أيضًا، ولم يميز بينهما في روايته هنا، فلهذا حصل الإشكال، ثم إن بقية: مع ثقته وصدقه: إلا أنه كان إمامًا في التدليس والتسوية، ولم يذكر في هذا الحديث سماعًا أصلًا، وأجارك الله من عدم تصريح بقية بالتحديث، وقد جازف البوصيرى وقال في "مختصر الإتحاف" [٢/ ق ١٦١/ أ]، كما في "الروض البسام بتخريج فوائد تمام" [٣/ ٤٥١]: "سنده ضعيف، لتدليس بقية" كذا يقول، ولو سألناه الحجة على تدليس بقية في هذا الحديث؛ لضاقت عليه الأرض بما رحبت، إذ ليس في عدم تصريحه بالسماع ما يدل على تدليسه أصلًا، إنما يتوقف في تصحيح حديثه وحسب، وهلا قال: (إسناده ضعيف؛ لكون بقية لم يذكر فيه سماعًا، وهو يدلس ويسوى؟!) ثم تراه يغفل عن (معاوية بن يحيى) شيخ بقية في سنده.
وقد مضى أنهم اختلفوا في تمييزه، وسبب هذا الاختلاف، وقد بدا لى الآن تمييزه هنا بلا تردد أصلًا، فقد كنت غفلت عن سند تمام الرازى لهذا ألحديث، فقد وقع عنده [٣/ رقم ١٢٢٠/ مع الروض البسام]: (نا بقية عن معاوية أبى مطيع ... ) وأبو مطيع: هي كنية معاوية بن يحيى الأطرابلسى؛ أما: معاوية بن يحيى: فهو يكنى بـ (أبى روح) وقد عرفت حال الرجلين سابقًا، والأطرابلسى أقومهما حالًا كما مضى؛ بل وثقه جماعة، إلا أنه كان يروى مناكير أيضًا، بل نص الدارقطنى على كونه أكثر مناكيرًا من معاوية الصدفى، ولا تخلو الدعوى من مبالغة.
وعلى كل حال: فإذا انضاف إلى معاوية: عدم تصريح بقية بالسماع من شيخه وشيخه من شيخه - فقد كان يدلس التسوية - مع نكارة المتن جدًّا، لا يكون الإسناد إلا باطلًا، وقد سئل أبو حاتم الرازى عن هذا الحديث - بذاك الإسناد - كما في "العلل" [رقم ٢٥٥٢/ طبعة سعد الحميد]، فقال: "هذا حديث كذب".
قلتُ: وهذا قريب، فإن متن الحديث منكر جدًّا، لا يكاد يطاق، وقد قال الشمس بن القيم في "المنار المنيف" [ص ٥١]، وهو بصدد بيان علامات الحديث الموضوع بتكذيب الحِسِّ له: "وكذلك حديث "إذا عطس الرجل عند الحديث، فهو دليل صدقه" وهذا وإن صحح بعض الناس سنده، فالحس يشهد بوضعه؛ لأنا نشهد العطاس، والكذب يعمل عمله، ولو عطس مائة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق".=

الصفحة 505