كتاب مسند أحمد - ط الرسالة (اسم الجزء: 8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
---------------
= سحرا، أو بأن كونه سحرا لا اختصاص له بخطبة هذين، بل هو أمر يوجد في نوع البيان، معلوم وجوده فيه، فلا ينبغي التعجب من مثله.
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" ٥/١٧٤: وفي هذا دليل على مدح البيان وفضل البلاغة، والتعجب بما يسمع من فصاحة أهلها، وفيه المجاز والاستعارة الحسنة، لأن البيان ليس بسحر على الحقيقة.
وفيه الإفراط في المدح، لأنه لا شيء في الإعجاب والأخذ بالقلوب، يبلغ مبلغ السحر. وأصل لفظة السحر عند العرب الاستمالة، وكُل من استمالك فقد سحرك، وقد ذهب هذا القول منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلاً سائراً في الناس، إذا سمعوا كلاما يعجبهم قالوا: إن من البيان لسحرا. ويقولون فى مثل هذا أيضاً: هذا السحر الحلال ونحو ذلك، قد صار هذا مثلاً أيضاً. وروي أن سائلاً سأل عمر بن
عبد العزيز حاجة بكلام أعجبه، فقال عمر: هذا والله السحر الحلال. وقال ابن الرومي -عفا الله عنه- في هذا المعنى فأحسن:
وحديثُها السحرُ الحلال لو أنها ... لم تجن قتل المُسلم المُتحرز
إن طال لم يُملل وإن هي أوجزت ... ود المُحدثُ أنها لم تُوجز
شركُ العُقُول ونزهة ما مثلُها ... للسامعين وعُقلةُ المستوفز
وفي هذا الحديث ما يدل على أن التعجب من الاستحسان والبيان موجود في طباع ذوي العقول والبلاغة، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أوتى جوامع الكلم، إلا أنه بإنصافه كان يعرفُ لكل ذي فضل فضله.
وفي هذا ما يدل على أن أبصر الناس بالشيء، أشدهم فرحاً بالجيد منه، ما لم يكن حسوداً، وإنما يحمدُ العلماءُ البلاغة واللسانة، ما لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب والتفيهق. فقد روي في الثرثارين المتفيهقين، أنهم أبغضُ الناس إلى الله ورسوله.=

الصفحة 277