كتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم (ت مقبل) (اسم الجزء: 3)

5794 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَاسِمُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ السَّيَّارِيُّ شَيْخُ أَهْلِ الْحَقَائِقِ بِخُرَاسَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ: أَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُوَجِّهِ الْفَزَارِيُّ ، أَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الشُّمَيْطِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْلَمَ الْعِجْلِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو الضَّحَّاكِ الْجَرْمِيَّ ، عَنْ هَرِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيِّ قَالَ: " قَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَلَمْ يَكُنْ لِي بِهَا هَمٌّ إِلَّا أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ أَطْلُبُهُ وَأَسْأَلُ عَنْهُ ، حَتَّى سَقَطْتُ عَلَيْهِ جَالِسًا وَحْدَهُ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ نِصْفَ النَّهَارِ ، يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ ثَوْبَهُ ، فَعَرَفْتُهُ بِالنَّعْتِ ، فَإِذَا رَجُلٌ لَحِمٌ ، أَدَمُ ، شَدِيدُ الْأَدَمَةِ ، أَشْعَرُ ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ - يَعْنِي لَيْسَ لَهُ جُمَّةٌ - كَثُّ اللِّحْيَةِ ، عَلَيْهِ إِزَارٌ مِنْ صُوفٍ ، وَرِدَاءٌ مِنْ صُوفٍ ، بِغَيْرِ حِذَاءٍ ، كَبِيرُ الْوَجْهِ ، مَهِيبُ الْمَنْظَرِ جِدًّا ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيَّ وَنَظَرَ إِلَيَّ ، فَقَالَ: حَيَّاكَ اللَّهُ مِنْ رَجُلٍ ؟ فَمَدَدْتُ يَدِي إِلَيْهِ لِأُصَافِحَهُ ، فَأَبَى أَنْ يُصَافِحَنِي ، وَقَالَ: وَأَنْتَ فَحَيَّاكَ اللَّهُ ، فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أُوَيْسُ وَغَفَرَ لَكَ ، كَيْفَ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ ؟ ثُمَّ خَنَقَتْنِي الْغَيْرَةُ مِنْ حُبِّي إِيَّاهُ ، وَرِقَّتِي لَهُ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حَالِهِ ، مَا رَأَيْتُ حَتَّى بَكَيْتُ وَبَكَى ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنْتَ فَرَحِمَكَ اللَّهُ يَا هَرِمُ بْنَ حَيَّانَ كَيْفَ أَنْتَ يَا أَخِي ؟ مَنْ دَلَّكَ عَلَيَّ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا حِينَ سَمَّانِي وَاللَّهِ مَا كُنْتُ رَأَيْتُهُ قَطُّ ، وَلَا رَآنِي ، ثُمَّ قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَنِي ، وَعَرَفْتَ اسْمِي ، وَاسْمَ أَبِي ، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ رَأَيْتُكَ قَطُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ ، قَالَ: نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ، عَرَفَتْ رُوحِي رُوحَكَ حَيْثُ كَلَّمَتْ نَفْسِي نَفْسَكَ ، أَنَّ الْأَرْوَاحَ لَهَا أَنْفَسٌ كَأَنْفُسِ الْأَحْيَاءِ ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيَتَحَدَّثُونَ بِرُوحِ اللَّهِ ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا وَيَتَعَارَفُوا ، وَإِنْ نَأْتِ بِهُمُ الدِّيَارُ ، وَتَفَرَّقَتْ بِهُمُ الْمَنَازِلُ ، قَالَ: قُلْتُ ، حَدِّثْنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدِيثٍ أَحْفَظُهُ عَنْكَ ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُدْرِكْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ تَكُنْ لِي مَعَهُ صُحْبَةٌ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا قَدْ رَأَوْهُ ، وَقَدْ بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِهِ كَمَا بَلَغَكُمْ ، وَلَسْتُ أُحِبُّ أَنْ أَفْتَحَ هَذَا الْبَابَ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَكُونَ مُحَدَّثًا أَوْ قَاضِيًا وَمُفْتِيًا ، فِي النَّفْسِ شُغْلٌ يَا هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَخِي ، اقْرَأْ عَلَيَّ آيَاتٍ -[499]- مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَسْمَعْهُنَّ مِنْكَ ، فَإِنِّي أُحَبُّكَ فِي اللَّهِ حُبًّا شَدِيدًا ، وَادْعُ بِدَعَوَاتٍ ، وَأَوْصِ بِوَصِيَّةٍ أَحْفَظْهَا عَنْكَ ، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قَالَ: فَشَهِقَ شَهْقَةً ، ثُمَّ بَكَى مَكَانَهُ ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَبِّي تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَأَحَقُّ الْقَوْلِ قَوْلُهُ ، وَأَصْدَقُ الْحَدِيثِ حَدِيثُهُ ، وَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُهُ: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ } [الدخان: 39] حَتَّى بَلَغَ { إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الدخان: 42] ، ثُمَّ شَهِقَ شَهْقَةً ، ثُمَّ سَكَتَ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ ، وَأَنَا أَحْسِبُهُ قَدْ غَشِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: يَا هَرِمُ بْنَ حَيَّانَ مَاتَ أَبُوكَ ، وَأَوْشَكَ أَنْ تَمُوتَ ، وَمَاتَ أَبُو حَيَّانَ ، فَإِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ، وَمَاتَ آدَمُ ، وَمَاتَتْ حَوَّاءُ يَا ابْنَ حَيَّانَ ، وَمَاتَ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ، يَا ابْنَ حَيَّانَ ، وَمَاتَ مُوسَى نَجِيُّ الرَّحْمَنِ ، يَا ابْنَ حَيَّانَ ، وَمَاتَ دَاوُدُ خَلِيفَةُ الرَّحْمَنِ ، يَا ابْنَ حَيَّانَ ، وَمَاتَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الرَّحْمَنِ ، وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ ، يَا ابْنَ حَيَّانَ ، وَمَاتَ أَخِي وَصَفِيِّي وَصَدِيقِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، ثُمَّ قَالَ: وَاعُمَرَاهُ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ ، وَعُمَرُ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ ، إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعْدُ حَيٌّ ، قَالَ: بَلَى ، إِنْ تَفْهَمْ فَقَدْ عَلِمْتَ مَا قُلْتُ أَنَا ، وَأَنْتَ فِي الْمَوْتَى ، وَكَانَ قَدْ كَانَ ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَعَا بِدَعَوَاتٍ خِفَافٍ ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ يَا هَرِمُ بْنَ حَيَّانَ ، كِتَابُ اللَّهِ ، وَاللِّقَاءُ بِالصَّالِحِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَقَدْ نَعَيْتُ عَلَى نَفْسِي ، وَنَعَيْتُكَ فَعَلَيْكَ بِذِكْرِ الْمَوْتِ ، فَلَا يُفَارِقَنَّ عَلَيْكَ طَرْفَةً وَأَنْذِرْ قَوْمَكَ إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ ، وَانْصَحْ أَهْلَ مِلَّتَكَ جَمِيعًا ، وَاكْدَحْ لِنَفْسِكَ وَإِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تُفَارِقَ الْجَمَاعَةَ فَتُفَارِقَ دِينَكَ ، وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ فَتَدْخُلُ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحِبُّنِي فِيكَ ، وَزَارَنِي مِنْ أَجَلِكَ ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَدْخِلْهُ عَلَيَّ زَائِرًا فِي دَارِكَ دَارِ السَّلَامِ ، وَاحْفَظْهُ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا حَيْثُ مَا كَانَ ، وَضَمَّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَرَضِّهِ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ ، وَمَا أَعْطَيْتَهُ مِنَ الدُّنْيَا فَيَسِّرْهُ لَهُ ، وَاجْعَلْهُ لِمَا تُعْطِيَهُ مِنْ نِعْمَتِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، وَاجْزِهِ خَيْرَ الْجَزَاءِ ، اسْتَوْدَعْتُكَ اللَّهَ يَا هَرِمُ بْنَ حَيَّانَ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ لِي: لَا أَرَاكَ بَعْدَ الْيَوْمِ رَحِمَكَ اللَّهُ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ الشُّهْرَةَ ، وَالْوَحْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ لِأَنِّي شَدِيدُ الْغَمِّ ، كَثِيرُ الْهَمِّ ، مَا دُمْتُ مَعَ هَؤُلَاءِ النَّاسِ حَيًّا فِي الدُّنْيَا ، وَلَا تَسْأَلْ عَنِّي ، وَلَا تَطْلُبُنِي ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ مِنِّي عَلَى بَالٍ ، وَلَمْ أَرَكَ ، وَلَمْ تَرَنِي ، فَاذْكُرْنِي وَادْعُ لِي ، فَإِنِّي -[500]- سَأَذْكُرُكَ وَأَدْعُو لَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، انْطَلِقْ هَا هُنَا حَتَّى أَخَذَ هَا هُنَا ، قَالَ: فَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَسِيرَ مَعَهُ سَاعَةً فَأَبَى عَلَيَّ ، فَفَارَقْتُهُ يَبْكِي وَأَبْكِي ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي قَفَاهُ حَتَّى دَخَلَ فِي بَعْضِ السِّكَكِ ، فَكَمْ طَلَبْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ ، فَمَا وَجَدْتُ أَحَدًا يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ ، وَغَفَرَ لَهُ ، وَمَا أَتَتْ عَلَيَّ جُمُعَةٌ إِلَّا وَأَنَا أَرَاهُ فِي مَنَامِي مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ كَمَا قَالَ "

الصفحة 498