كتاب المعجم الكبير للطبراني - ط إحياء التراث (اسم الجزء: 23)
وَأُسَامَةَ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ ، وَمَا يَعْلَمُ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ مِنَ الْوُدِّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أَهْلُكَ وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا إِلاَّ خَيْرًا ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ : لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْخَادِمَ تَصْدُقْكَ ، قَالَتْ : فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ ، فَقَالَ : أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ ؟ فَقَالَتْ : لاَ ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا مِنْ أَمْرٍ قَطُّ أَغْمِصُهَا بِهِ إِلاَّ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ ، فَتَنَامُ فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُ الْعَجِينَ ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ فَرَقَى ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا ، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا ، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا أَمْرَكَ ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلاً صَالِحًا ، وَلَكِنْ حَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لاَ تَقْتُلُهُ ، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ : كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَيَقْتُلَنَّهُ ، قَالَتْ : فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ يُخَفِّضُهُمْ وَيُسْكِتُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا ، قَالَتْ : فَبَكَيْتُ لَيْلَتِي لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ، وَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي ، فَبَيْنَمَا هُمَا عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَعَدَ وَاللَّهِ مَا قَعَدَ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ قَبْلَهَا فَتَشَهَّدَ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاعْتَرِفِي وَتُوبِي إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرِي ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ مَقَالَتَهُ ، قَلَصَ دَمْعِي مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً ، فَقُلْتُ : يَا أُمَّهْ أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ، قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ، قَالَتْ : قُلْتُ : يَا أَبَهْ أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ، فَقُلْتُ : وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ ، لاَ أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ : وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ ، وَلَئِنْ قُلْتُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِي ، وَلاَ أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً ، إِلاَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ : {فَصَبَرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ثُمَّ وَلَّيْتُ وَجْهِي إِلَى الْجِدَارِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ، وَلَنَفْسِي كَانَتْ أَحْقَرَ عِنْدِي مِنْ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فِيَّ وَحْيًا وَتِلاَوَةً ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرَى أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ رُؤْيَا فَيُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا ، قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَجْلِسِهِ ، وَلاَ رَامَ أَهْلُ الْبَيْتِ حَتَّى أَخَذَتْهُ الْبُرَحَاءُ الَّتِي كَانَتْ تَأْخُذُهُ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الْوَحْيِ ، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ أَمَا وَاللَّهِ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي : قَوْمِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ، قُلْتُ : وَاللَّهِ لاَ أَقُومُ وَلاَ أَحْمَدُ إِلاَّ اللَّهَ ، قَالَتْ : وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، قَالَتْ : وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ وَيُتْمِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} الآيَةَ ، {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى يَا رَبِّ ، فَرَدَّ عَلَى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ .
الصفحة 104