كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي (اسم الجزء: 2)
فلما استتم الأبيات قال له: لقد ظلمك من ناواك، وتخلف عنك من جاراك، وحرامٌ على أحدٍ يتفوه بقول الشعر بعدك!
فقال أبو نواس: وأنت أيضًا يا أبا الفضل تقول هذا? ألست القائل:
لا جزى الله دمع عيني خيرًا
وأنشد الأبيات، ثم قال: ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا?
ومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري1:
جدةٌ يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يمنع ملحه عن مائه
وهذا من محاسن التشبيهات.
وكذلك ورد قوله2:
وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرًا يكر على الرجال بكوكب
وفي هذا البيت ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب، وهذا من الحسن النادر.
وكذلك ورد قوله3:
يمشون في زغفٍ كأن متونها ... في كل معركةٍ متون نهاء4
بيضٌ تسيل على الكماة نصولها ... سيل السراب بقفرةٍ بيداء5
__________
1 ديوان البحتري 2-40 من قصيدة له في مدح يوسف بن محمد، أولها:
يا غاديا والثغر خلف مسائه ... يصل السرى بأصيله وضحائه
2 ديوانه 2/ 134 من قصيدة يمدح فيها مالك بن طوق، مطلعها:
رحلوا فأية عبرة لم تكسب ... أسفا؟ وأي عزيمة لم تلغب؟
ورواية الديوان: "قمرا يشد على الرجال".
3 ديوان 2/ 227 من قصيدة يمدح فيها أبا سعيد محمد يوسف، ومطلعها:
زعم الغراب منبئ الأنباء ... أن الأحبة آذنوا بتناء
4 الزغف اسم جنس جمعي واحدة زغفة، وهي الدرع، والنهاء جمع نهى بكسر فسكون، وهو الغدير.
5 رواية الديوان، بيض تسيل على الكماة فضولها، وهي أجود.