كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي (اسم الجزء: 2)
وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى، فإنه إذا فعل ذلك كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه.
فأما قوله: "يا بدر" فإنه اسم ممدوح، والابتداء به أولى، ثم بعده فيجب أن يقول: يا رجل، يا ليث، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن الليث أعظم من الرجل، والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، وهذا مقام مدح فيجب أن يرقى فيه من منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا، ولو كان مقام ذم لعكس القضية.
وعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر1:
سما بن أوس في الفخار وحاتم ... وزيد القنا والأثرمان ورافع2
نجوم طوالع جبال فوارع ... غيوث هوامع سيول دوافع3
فإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدم ما أخر لما اختل النظم بأن قال:
سيول دوافع غيوث هوامع ... جبال فوارع نجوم طوالع4
وهذا عندي أشد ملامة من المتنبي؛ لأن المتنبي لا يمكنه تقديم ألفاظ بيته وتأخيرها، وأبو تمام متمكن من ذلك، وما أعلم كيف ذهب عليه هذا الموضع مع معرفته بالمعاني!!
__________
1 ديوان أبي تمام 479 من قصيدة له يصف فيها قومه، ويفتخر بهم، ومطلعها:
ألا صنع البين الذين هو صانع ... فإن تلك مجزاعا فما البين جازع
2 بين هذا البيت والبيت الذي يليه:
وكان إياس ما إياس وعارف ... وحارثة أوفى الورى والأصابع
3 "طواليع" موضع "طوالع" و"هواميع" موضع "هواميع".
4 هذا على رواية ابن الأثير، أما على رواية الديوان، فإن النظم يختل بالتقديم، والتأخير على النحو الذي افترضه ابن الأثير.