كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي (اسم الجزء: 3)

وهذا أكثر مغالاة من الأول.
ومن ذلك قوله أيضا:
كأنما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع1
وعلى هذا ورد قول قيس بن الخطيم:
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها2
لكن أبو الطيب أكثر غلوا في هذا المعنى، وقيس بن الخطيم، أحسن لأنه قريب من الممكن، فإن الطعنة تنفذ حتى يتبين فيها الضوء، وأما أن يجعل المطعون مسلكا يسلك كما قال أبو الطيب، فإن ذلك مستحيل، ولا يقال فيه بعيد.
__________
1 من مدح سيف الدولة، مطلع القصيدة:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
"الديوان 2/ 392".
2 شرح الحماسة للمرزوقي "1/ 184" يصف طعنته لابن عبد القيس:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
الشعاع: بفتح الشين الدم المتفرق، يريد أن الطعنة كانت تظهر الضوء لولا الدم المنبثق من الجرح.
الاقتصاد:
وأما الاقتصاد فهو وسط بين المنزلتين، والأمثلة له كثيرة لا تحصى، إذ كل ما خرج عن الطرفين من الإفراط والتفريط فهو اقتصاد.
ومن أحسنه أن يجعل الإفراط مثلا، ثم يستثنى فيه بلو أو بكاد وما جرى مجراهما.
فمن ذلك قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} 1 وكذلك قوله عز وجل: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} 2 وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا.
__________
1 سورة البقرة 20.
2 سورة الجن 19.

الصفحة 194