كتاب الموافقات (اسم الجزء: 1)

فَنَزَلَتِ الْآيَةُ1، وَقَالَ أَوَّلًا: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ [هَذَا] 2 الْحَائِطِ وَأَنَا أُصَلِّي؛ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" 3، وَظَاهِرٌ مِنْ هَذَا الْمَسَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ: "سَلُونِي" فِي مَعْرِضِ الْغَضَبِ تَنْكِيلٌ بِهِمْ فِي السُّؤَالِ، حَتَّى يَرَوْا عَاقِبَةَ السُّؤَالِ4، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 101] , وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ5 مَا يُعْفَى عَنْهُ، وَهُوَ مَا نُهِيَ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهُ.
فَكَوْنُ الْحَجِّ لِلَّهِ هُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ كَمَا أَنَّ كَوْنَهُ لِلْعَامِ الْحَاضِرِ تَقْتَضِيهِ6 أَيْضًا، فَلَمَّا سَكَتَ عَنِ التَّكْرَارِ؛ كَانَ الَّذِي يَنْبَغِي الْحِمْلُ عَلَى أَخَفِّ مُحْتَمَلَاتِهِ, وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ مُرَادٌ؛ فَهُوَ ما يُعفى عَنْهُ.
وَمِثْلُ هَذَا قِصَّةُ أَصْحَابِ الْبَقَرَةِ، لَمَّا شَدَّدُوا بِالسُّؤَالِ -وَكَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ ذَبْحِ أَيِّ بَقَرَةٍ شَاءُوا- شَدَّدَ عَلَيْهِمْ7 حَتَّى ذَبَحُوهَا {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] .
__________
1 هذا لفظ البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، 13/ 265/ رقم 7294"، وأخرجه أيضا مسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب توقيره -صلى الله عليه وسلم- وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورية إليه، 4/ 1832/ رقم 2359" من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- ومضى مختصرا "ص45".
2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
3 هو جزء من الحديث المتقدم.
4 التي منها نزول تحريم ما لم يحرم، وغيره مما يكرهونه ويسيئهم؛ كالتعرض للفضيحة، وزيادة التكاليف. "د".
5 وهي من قوله: "وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَكْرَهُ كَثْرَةَ السؤال إلى هنا". "د".
6 لأن المطلق يتحقق في فرد واحد مما يطلق عليه "د".
7 انظر حول هذا المعنى: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "7/ 105".

الصفحة 258