كَالْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَمِيعِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ1 عَلَى الْجُمْلَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ وَيَصِحَّ الْقَصْدُ إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَالْقَصْدُ إِلَيْهَا أَوْ عَدَمُ الْقَصْدِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
إِذَا تَقَرَّرَ مَا تَقَدَّمَ؛ فَلِلدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ مَرَاتِبُ تَتَفَرَّعُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ؛ فَالِالْتِفَاتُ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ له ثلاث مراتب:
إحداها: أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ أَوْ مُوَلِّدٌ لَهُ؛ فَهَذَا شِرْكٌ أَوْ مُضَاهٍ لَهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ2، وَالسَّبَبُ غَيْرُ فَاعِلٍ بِنَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 96] .
وَفِي الْحَدِيثِ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مؤمن بي وكافر" 3 الحديث؛ فإن
__________
1 قوله: "أو في الآخرة" ليس شكا منه في وجود فوائد ومصالح دنيوية للعبادات، وإنما هو مجرد احتياط لبعض الجزئيات، ولبعض الحالات التي لا تظهر لها مصلحة دنيوية عاجلة، ومما يؤيد ذلك قوله فيا سيأتي "3/ 144" بعد أن ذكر فوائد الصلاة في الدنيا والآخرة: ".... وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ فِيهَا فَوَائِدُ أُخْرَوِيَّةٌ وَهِيَ الْعَامَّةُ، وَفَوَائِدُ دُنْيَوِيَّةٌ وَهِيَ كُلُّهَا تَابِعَةٌ لِلْفَائِدَةِ الأصلية".
2 انظر في هذا: "الواسطة بين الحق والخلق"، و"مجموع الفتاوى" "8/ 175-179"، كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية.
3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، 2/ 333/ رقم 846"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، 1/ 83-84/ رقم 71"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأدب، باب في النجوم، 4/ 16/ رقم 3906"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الاستسقاء، باب كراهية الاستمطار بالكواكب، 3/ 164-165" وغيرهم من حديث زيد بن خالد الجهني, رضي الله عنه.
وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهما.