كتاب الموافقات (اسم الجزء: 1)

وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ: "هِيَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، وَصِدْقُ الْمَقَامِ مَعَ اللَّهِ، وَصِدْقُ الْوُقُوفِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ"1.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: "الْعَيْشُ مَعَ اللَّهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ".
وَأَيْضًا؛ فَفِيهِ كِفَايَةُ جَمِيعِ الْهُمُومِ، بِجَعْلِ هَمِّهِ هَمًّا وَاحِدًا، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ نَاظِرًا إِلَى الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ؛ فَإِنَّهُ نَاظِرٌ إِلَى كُلِّ مُسَبَّبٍ فِي كُلِّ سَبَبٍ يَتَنَاوَلُهُ، وَذَلِكَ مُكْثِرٌ وَمُشَتَّتٌ.
وَأَيْضًا؛ فَفِي النَّظَرِ إِلَى كَوْنِ السَّبَبِ مُنْتِجًا أَوْ غَيْرَ مُنْتِجٍ تَفَرُّقُ بَالٍ، وَإِذَا أَنْتَجَ؛ فَلَيْسَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَصَاحِبُهُ مُتَبَدِّدُ الْحَالِ، مَشْغُولُ الْقَلْبِ فِي أَنْ لَوْ كَانَ الْمُسَبَّبُ أَصْلَحَ مِمَّا كَانَ؛ فَتَرَاهُ يَعُودُ تَارَةً بِاللَّوْمِ عَلَى السَّبَبِ، وَتَارَةً بِعَدَمِ الرِّضَى بِالْمُسَبَّبِ, وَتَارَةً عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَإِلَى هَذَا النَّحْوِ يُشِيرُ مَعْنَى قَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ 2؛ فَإِنَّ اللَّهَ هو الدهر" 3 وأمثاله.
__________
1 ذكره عنه القرطبي في "التفسير" "10/ 174".
2 أي: لا تسبوا الدهر؛ لعدم مؤاتاتكم بمطالبكم ومسببات أعمالكم على ما تشتهونه، فإن الله هو الفاعل للمسببات الواقعة من الدهر. "د".
3 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر، 4/ 1763/ رقم 2246 بعد 5" من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بهذا اللفظ.
قال المصنف في "الاعتصام" "2/ 304" شارحا الحديث: "المعنى: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب, ولا تنسبوها إليه؛ فإن الله هو الذي أصابكم بذلك لا الدهر، فإنكم إذا سببتم الدهر؛ وقع السب على الفاعل لا على الدهر؛ لأن العرب كان من عادتها في الجاهلية أن تنسب الأفعال إلى الدهر؛ فتقول: أصابه الدهر في ماله، ونابته قوارع الدهر ومصائبه؛ فينسبون إلى كل شيء تجري به أقدار الله تعالى عليهم إلى الدهر؛ فيقولون: لعن الله الدهر، ومحا الله الدهر، وأشباه ذلك، وإنما يسبونه لأجل الفعال المنسوبة إليه؛ فكأنهم إنما سبوا الفاعل، والفاعل هو الله وحده؛ فكأنهم يسبونه سبحانه وتعالى".

الصفحة 350