كتاب الموافقات (اسم الجزء: 2)

الْوَفَاءُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَمَّا أُرِيحَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا كَانَ الْتِزَامُهَا مَكْرُوهًا، فَإِذَا وَقَعَ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ عِبَادَاتٌ وَإِنْ شَقَّتْ، كَمَا لَزِمَتِ الْعُقُوبَاتُ بِنَاءً عَلَى التَّسَبُّبِ فِيهَا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ النُّذُورُ فِيمَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، أَوْ كَانَتْ فِي عِبَادَةٍ لَا تُطَاقُ وَشُرِعَتْ لَهَا تَخْفِيفَاتٌ، أَوْ كَانَتْ مُصَادِمَةً لِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ أَوْ حَاجِيٍّ فِي الدِّينِ سَقَطَتْ، كَمَا إِذَا حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ، فَإِنَّهُ يُجَزِئُهُ الثُّلْثُ، أَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَكَّةَ رَاجِلًا فَلَمْ يَقْدِرْ، فَإِنَّهُ يَرْكَبُ وَيُهْدِي، أَوْ كَمَا إِذَا نَذَرَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَوْ لَا يَأْكُلَ الطعام [الفلاني] ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حُكْمُهُ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَانْظُرْ كَيْفَ صَحِبَهُ الرِّفْقُ الشَّرْعِيُّ فِيمَا أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّاتِ.
فَعَلَى هَذَا كَوْنُ الشَّارِعِ لَا يَقْصِدُ إِدْخَالَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ1 عَامٌّ فِي الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 194] ، فَسُمِّيَ الْجَزَاءُ اعْتِدَاءً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْقَصْدَ إِلَى الِاعْتِدَاءِ، وَمَدْلُولُهُ الْمَشَقَّةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُعْتَدِي.
لِأَنَّا نَقُولُ: تسمية الجزاء المرتب على الاعتداء اعتداء مجاز مَعْرُوفٌ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ2، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] .
__________
1 في الأصل: "العبد".
2 قلت: كلام المصنف في صفة الاستهزاء والمكر وغيرهما من صفات الفعل لله عز وجل من الأمور المردودة غير المقبولة، ومنهج السلف في فهم الأسماء والصفات على خلافها، وما الداعي لهذا المعنى وذات الله غير ذواتنا، وبالتالي أسماؤه وصفاته غير أسمائنا وصفاتنا، فإن التأويل=

الصفحة 257