كتاب الموافقات (اسم الجزء: 2)

فَحَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التَّوْبَةِ: 41] ، ثُمَّ قَالَ: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التَّوْبَةِ: 39] ، كَانَ هَذَا مَوْضِعَ شِدَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا رُخْصَةَ أَصْلًا فِي التَّخَلُّفِ، إِلَّا أَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ مَحْمُولٌ عَلَى أَقْصَى الثِّقَلِ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ، بِحَيْثُ يَتَأَتَّى النَّفِيرُ وَيُمْكِنُ الْخُرُوجُ، وَقَدْ كَانَ اجْتَمَعَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمْرَانِ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَبُعْدُ الشُّقَّةِ، زَائِدًا عَلَى مُفَارَقَةِ الظِّلَالِ، وَاسْتِدْرَارِ الْفَوَاكِهِ وَالْخَيْرَاتِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ زَائِدٌ فِي مَشَقَّةِ الْغَزْوِ زِيَادَةً ظَاهِرَةً، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ لَهَا عَنِ الْمُعْتَادِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ، فَكَذَلِكَ أَشْبَاهُهَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [مُحَمَّدٍ: 31] .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] : إِنَّمَا ذَلِكَ سَعَةُ الْإِسْلَامِ؛ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ1.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَا أُحِلَّ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ2.
وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ جَاءَ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَرَجِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتُمُ الْعَرَبَ؟! [فَسَأَلُوهُ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: أَوَلَسْتُمُ الْعَرَبَ؟!] ثُمَّ قال: ادع رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ [لَهُ] : مَا الْحَرَجُ فِيكُمْ؟ قَالَ: الْحَرَجَةُ مِنَ الشَّجَرِ مَا لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَلِكَ الْحَرَجُ؛ ما لا مخرج له3.
__________
1 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "17/ 205-206"، وقال ابن العربي في "أحكامه" "3/ 1305" قبله: "وثبت صحيحا عن ابن عباس".
قلت: وجاء في الأصل و"خ": ".... ولا مخرج".
2 ذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" "3/ 1305".
3 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "17/ 206" بنحوه، وذكره ابن العربي في "أحكامه" "3/ 1304-1305" بحرفه ونصه.

الصفحة 272