كتاب الموافقات (اسم الجزء: 2)
وَقَالَ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} 1 [ص: 27] .
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الدُّخَانِ: 38-39] .
وَإِنْ كَانَ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ، فَالْمَصْلَحَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِعَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ إِلَى الْعِبَادِ، وَرُجُوعُهَا إِلَى اللَّهِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ وَيَسْتَحِيلُ عَوْدُ الْمَصَالِحِ إِلَيْهِ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يبقَ إِلَّا رُجُوعُهَا إِلَى الْعِبَادِ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى أَغْرَاضِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ إِنَّمَا يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ، وَمَا يُوَافِقُ هَوَاهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَالشَّرِيعَةُ تَكَفَّلَتْ لَهُمْ بِهَذَا الْمَطْلَبِ فِي ضِمْنِ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ يُنْفَى أَنْ تُوضَعَ الشَّرِيعَةُ عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِ الْعِبَادِ وَدَوَاعِي أَهْوَائِهِمْ؟
وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جاءت على وفق أغراض العباد وأثبتت2 لَهُمْ حُظُوظُهُمْ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُحَقِّقُونَ، أَوْ وُجُوبًا عَلَى مَا يَزْعُمُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ حَقًّا، كَانَ مَا يُنَافِيهِ بَاطِلًا.
فَالْجَوَابُ أَنَّ وَضْعَ الشَّرِيعَةِ إِذَا سُلِّمَ أَنَّهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَهِيَ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ أَمْرِ الشَّارِعِ، وَعَلَى الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ، لَا عَلَى مُقْتَضَى أَهْوَائِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَلِذَا3 كَانَتِ التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ ثَقِيلَةً عَلَى النُّفُوسِ، وَالْحِسُّ وَالْعَادَةُ وَالتَّجْرِبَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، فَالْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي مُخْرِجَةٌ لَهُ عَنْ دَوَاعِي طَبْعِهِ وَاسْتِرْسَالِ أَغْرَاضِهِ، حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنْ تَحْتِ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَهُوَ عَيْنُ مُخَالَفَةِ الْأَهْوَاءِ وَالْأَغْرَاضِ، أَمَّا أَنَّ مَصَالِحَ التَّكْلِيفِ عَائِدَةٌ على المكلف في
__________
1 الباطل ما لا حكمة فيه، والآية مقررة لما قبلها من أمر المَعاد والحساب، ولا يكون إلا بعد شرع وبيان، والآية بعدها مثلها، فإن معنى اللعب واللهو ما لا حكمة فيه، وبما ذكرناه ظهر وجه الاستدلال بالآيات، فلا يقال: إن الآيات في أصل الخلق لا في وضع الشريعة. "د".
2 في "د": "ثبَّتت".
3 في الأصل و"ط": "ولذلك".
الصفحة 294