كتاب الموافقات (اسم الجزء: 2)

وَقَالَ: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الْفَتْحِ: 10] .
وَفِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذِكْرِ الظُّلْمِ وَتَحْرِيمِهِ: "يَا عِبَادِيَ: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إياها" 1.
ولا يختص مثل هذا بِالْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْمَصَائِبُ النَّازِلَةُ بِالْإِنْسَانِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ، لِقَوْلِهِ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} 2 [الشُّورَى: 30] .
وَقَالَ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 194] .
وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا تَفُوتُ الْحَصْرَ، فالإنسان لا ينفك عن طلب3 حَظَّهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ طَرِيقٌ إِلَى نِيلِ حَظِّهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يُسَاوِي الْأَوَّلَ فِي امْتِنَاعِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ جُمْلَةً.
وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي أَخْذِ حُظُوظِهِمْ عَلَى مَرَاتِبَ.
- مِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْخُذُهَا إِلَّا بِغَيْرِ تَسَبُّبِهِ4، فَيَعْمَلُ الْعَمَلَ أَوْ يَكْتَسِبُ الشَّيْءَ فَيَكُونُ فِيهِ وَكِيلًا عَلَى التَّفْرِقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ بِحَسَبِ مَا قُدِّرَ، وَلَا يَدَّخِرُ لنفسه من
__________
1 قطعة من حديث إلهي طويل، أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، 4/ 1994-1995/ رقم 2577" من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وسيأتي "ص480"، وهناك تمام تخريجه.
2 في الأصل: "بما قدمت أيديكم"!!
3 في "د": "طلبه".
4 أي أنه لا يأخذ شيئا جاء بتسببه، بل يجعل ذلك لغيره، فكل ما سيق إليه بالتسبب يجعله للخلق، فهو مع كونه هو المتسبب والمحترف يرى أن ما وصل ليده من ذلك من محض الفضل، وأنه كوكيل على تصريفه فقط، وليس له منه شيء، وهذه أعلى المراتب، وما بعدها يجعل نفسه كالوكيل يأخذ إن احتاج، وهو أقل من هذا. "د".

الصفحة 321