كتاب الموافقات (اسم الجزء: 2)

بَعْضُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْنًا، وَكَذَلِكَ الْمَالِيَّةُ، وَأَوَّلُهَا الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ الْمُكَلَّفُ بِهِ غَيْرَهُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِ جُعْلٍ، إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ، وَالْجِهَادُ عِبَادَةٌ، فَإِذَا جَازَتِ النِّيَابَةُ فِي مِثْلِ هَذَا، فَلْتُجْزَ فِي بَاقِي الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَشْرُوعٌ.
وَالْخَامِسُ:
إِنَّ مَآلَ الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ أَنْ يُجَازَى عَلَيْهَا، وَقَدْ يُجَازَى الْإِنْسَانُ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْ، خَيْرًا كَانَ الْجَزَاءُ أَوْ شَرًّا، وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَصَائِبُ النَّازِلَةُ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَعِرْضِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ بِاكْتِسَابٍ1 كُفِّرَ بِهَا مِنْ سَيِّئَاتِهِ، وأُخِذ بِهَا مِنْ أَجْرِ غَيْرِهِ، وَحَمَلَ غَيْرُهُ وَزِرَهُ، وَ [لَوْ] لَمْ يَعْمَلْ بِذَلِكَ2، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجِدَ أَلَمَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمُفْلِسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ3، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ اكْتِسَابٍ، فَهِيَ كَفَّارَاتٌ فَقَطْ، أَوْ كَفَّارَاتٌ وَأُجُورٌ، وَكَمَا جَاءَ فِيمَنْ "غَرَسَ غَرْسًا أَوْ زرع زرعا يأكل منه
__________
1 أي: اكتساب الغير، وقوله: "بغير اكتساب"، أي: بأن كانت من الله محضا. "د".
2 لعل الأصل: "وإن لم يعلم بذلك" ليلتئم مع قوله: "فضلا عن أن يجد ألمه". "د".
3 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم 4/ 1997/ رقم 2581"، والترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص 4/ 613/ رقم 2418"، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأحمد في المسند" "2/ 334"، والبغوي في "شرح السنة" "14/ 360/ رقم 4164"، وعبد الغني المقدسي في "ذكر النار" "رقم 6" عن أبي هريرة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أتدرون ما المفلس"؟. قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".

الصفحة 391