كتاب الموافقات (اسم الجزء: 2)

وَالثَّالِثُ:
أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ تَأَوَّلَ الْأَحَادِيثَ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ تَرْكَ اعْتِبَارِهَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنِ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ، فَأَنْفَذُوا مَا سُئِلُوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَيْرًا، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جازٍ عَنِ الْمَنُوبِ عَنْهُ1، وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا: فَإِنْ عَمِلَهُ فَهُوَ لِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النَّجْمِ: 39] .
وَالرَّابِعُ:
أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ خَاصَّةً بِمَنْ كَانَ لَهُ تَسَبُّبٌ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ، كَمَا إِذَا أَمَرَ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ أَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ سَعْيٌ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النَّجْمِ: 39] وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
وَالْخَامِسُ:
أَنَّ قَوْلَهُ: "صَامَ عَنْهُ وَلَيُّهُ" مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ، وَهُوَ الصَّدَقَةُ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَارَةً يَكُونُ بِمِثْلِ الْمَقْضِيِّ، وَتَارَةً بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ2، وَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ الْإِطْعَامُ، وَفِي الْحَجِّ النَّفَقَةُ عمن يحج عنه، أو
__________
1 لكن هذا يبعده قوله عليه الصلاة والسلام،: "أرأيت لو كان على أبيك دين...." إلى أن قال: "فدين الله أحق أن يقضى". "د".
قلت: ونحو المذكور عند ابن العربي في "أحكامه" "1/ 289"،والقرطبي في "تفسيره "4/ 152".
ومما يبعده استحالة أن يقر رسول الله صلى الله عليه وسلم السائلين على خلاف الحق، مجاراة لرغبة السائل في عمل الخير، بل كيف يقول للسائلين: حجوا وصوموا، ويجزئ ذلك عمن فعلتموه عنه، وواقع الأمر على خلاف ذلك، هذا ما لا يكون أبدا، ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. انظر: "مقاصد المكلفين" "ص276".
2 مثله في "العناية شرح الهداية" "2/ 360"، والمذكور ضعيف؛ إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، ومكلف بأن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، فهل يمكن بعد ذلك أن يعبر بالصيام عن الإطعام على سبيل المجاز، ولكل منهما مدلول شرعي ولغوي يغاير الآخر، فهل هذا يناسب الفصاحة، أم يناسب البيان؟ وهو تعبير يوقع المكلفين في حيرة وارتباك، ولذا قال النووي في "المجموع" "6/ 429" عقبه -ونقله عن بعض الشافعية المنتصرين للقول الجديد في مذهبهم: "تأويل باطل".

الصفحة 399