كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)
وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ في الخارج إلى عَلَى كَيْفِيَّاتٍ وَأَحْوَالٍ وَهَيْئَاتٍ شَتَّى، وَتِلْكَ الْهَيْئَاتُ مُحْكَمَةٌ فِي حَقِيقَةِ الْمَاهِيَّةِ حَتَّى يُحْكَمَ عَلَيْهَا بِالْكَمَالِ أَوِ النُّقْصَانِ وَالصِّحَّةِ أَوِ1 الْبُطْلَانِ، وَهِيَ مُتَشَخِّصَاتٌ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ عَلَى صَاحِبِهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ هِيَ فِي الذِّهْنِ كَالْمَعْدُومِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالِاعْتِبَارُ فِيهَا بِمَا وَقَعَ فِي الْخَارِجِ2، وَلَيْسَ إِلَّا أَفْعَالًا مَوْصُوفَةً بِأُمُورٍ خَاصَّةٍ لَازِمَةٍ، وَأُمُورٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَكُلُّ مُكَلَّفٍ مُخَاطِبٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِهَا؛ فَهُوَ إِذًا مُخَاطَبٌ بِمَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُحَصِّلَهُ فِي الْخَارِجِ، فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّوَازِمِ الْخَارِجِيَّةِ؛ فَهُوَ إِذًا مُخَاطَبٌ بِهَا لَا بِغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ حَصَلَتْ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ؛ فَلَمْ تَحْصُلْ إِذًا عَلَى حَقِيقَتِهَا، بَلْ عَلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى، وَالَّتِي خُوطِبَ بِهَا لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيُشْكِلُ مَعْنَى الْآيَةِ إِذًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التَّوْبَةِ: 102] ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ قَدْ تَحْصُلُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ3 وَتَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الِاعْتِبَارُ الذِّهْنِيُّ.
قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الْمُتَعَارِضَةَ الْأَحْكَامِ لَيْسَتْ بِمُتَلَازِمَةٍ لِحُصُولِهَا فِي زَمَانَيْنِ وَفِي حَالَيْنِ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ، وَإِذَا تَلَازَمَتْ حَتَّى صَارَ أَحَدُهَا كَالْوَصْفِ لِلْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ كَالْوَصْفِ السَّلْبِيِّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي عَدَمِ التَّلَازُمِ لِأَنَّ الْوَصْفَ السَّلْبِيَّ اعْتِبَارِيٌّ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ لَيْسَ صِفَةً وجودية، وأما إن كانت
__________
1 كذا في "ط"، وفي غيره: "والبطلان".
2 الخصم يقول له: إننا متفقون في هذا، ولكن نحن نقول بما وقع في الخارج منطبقا عليه الحقيقة الكلية فقط؛ لأنها هي المرعية في التكليف، أما الزيادات الخارجية التي يقترن بها؛ فلا شأن لها في قصد الشارع، وأنت تقول: لها شأن، وتتحكم في صحة المأمور به وعدمها. "د".
3 في "ط": "بنقصان".
الصفحة 223