كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ 1:
فَنَقُولُ: إِذَا رَأَيْتَ2 فِي الْمَدَنِيَّاتِ أَصْلًا كُلِّيًّا فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ جُزْئِيًّا3 بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ، أَوْ تَكْمِيلًا4 لِأَصْلٍ كُلِّيٍّ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُصُولَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِحِفْظِهَا خَمْسَةٌ، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّسْلُ5، وَالْمَالُ.
أَمَّا الدِّينُ؛ فَهُوَ أَصْلُ مَا دَعَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَمَا نَشَأَ عَنْهُمَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ.
وَأَمَّا النَّفْسُ؛ فَظَاهِرٌ إِنْزَالُ حِفْظِهَا بِمَكَّةَ؛ كَقَوْلِهِ: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] .
{وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التَّكْوِيرِ: 8] ,.
{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} 6 [الأنعام: 119] .
وأشباه ذلك.
__________
1 انظر في هذا أيضا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "15/ 160 و17/ 126".
2 في "ط": "أردت".
3 كالجهاد؛ فهو جزئي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سيقرره قريبا، لم يفرض إلا في المدينة بعد الإذن به أولا بآية: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ... } إلخ [الحج: 39] ، ثم لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، ثم قال المشركين كافة، خلافا لمن قال: إنه فرض بمكة؛ فإنه غلط لوجوه ستة ذكرها ابن القيم في "زاد المعاد" [3/ 70-71] . "د". وانظره: "5/ 235-236".
4 كالنهي عن شرب الخمر تكميلا لاجتناب الإثم والعدوان كما سيقول. "د".
5 في الأصل: "والنسب" وتكرر ذلك.
6 ومحل الدليل قوله: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ؛ أي: من محرمات الأكل لحفظ النفس؛ فواجب تناوله. "د".
الصفحة 236