كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)

مَنْ لَهُ عَقْلٌ؛ فَلَا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى الْمُوَافِقِ [فِي النِّحْلَةِ] 1.
وَالثَّانِي:
مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ فِي النِّحْلَةِ، وَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَحْكَامِ التكليفية؛ كدلالاة الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَلَى الطَّلَبِ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَدَلَالَةِ2 {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [الْبَقَرَةِ: 178] ، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام} [الْبَقَرَةِ: 183] ، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [الْبَقَرَةِ: 187] ؛ فَإِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ وَأَمْثَالَهَا لَمْ تُوضَعْ وَضْعَ الْبَرَاهِينِ، وَلَا أُتِيَ بِهَا فِي مَحَلِّ اسْتِدْلَالٍ، بَلْ جِيءَ بِهَا قَضَايَا يُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا مُسَلَّمَةً مُتَلَقَّاةً بِالْقَبُولِ، وَإِنَّمَا بُرْهَانُهَا فِي الْحَقِيقَةِ الْمُعْجِزَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ الْآتِي بِهَا، فَإِذَا3 ثَبَتَ بِرِهَانُ الْمُعْجِزَةِ؛ ثَبَتَ الصِّدْقُ وَإِذَا ثَبَتَ الصِّدْقُ؛ ثَبَتَ التَّكْلِيفُ عَلَى الْمُكَلَّفِ.
فَالْعَالِمُ إِذَا اسْتَدَلَّ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ أَخَذَ الدَّلِيلَ إِنْشَائِيًّا كَأَنَّهُ هُوَ وَاضِعُهُ، وَإِذَا اسْتَدَلَّ بِالضَّرْبِ الثَّانِي أَخَذَهُ مَعْنًى مُسَلَّمًا لِفَهْمِ مُقْتَضَاهُ إِلْزَامًا وَالْتِزَامًا، فَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الدَّلِيلِ عَلَى الضَّرْبَيْنِ؛ فَهُوَ إِطْلَاقٌ بِنَوْعٍ مِنِ اشْتِرَاكِ اللَّفْظِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ خِلَافُهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي؛ فَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ جارٍ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي نَتِيجَةٌ أَنْتَجَتْهَا الْمُعْجِزَةُ فَصَارَتْ قولا مقبولا فقط.
__________
1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
2 زاده لأن هذه ليس أوامر ونواه لفظا، بل هي أخبار في معنى الطلب. "د".
3 في "م": "إذا".

الصفحة 248