كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)
الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأَوَّلِينَ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ1، فَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ؛ فَهُوَ السُّنَّةُ وَالْأَمْرُ الْمُعْتَبَرُ، وَهُوَ الْهُدَى، وَلَيْسَ ثَمَّ إِلَّا صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ؛ فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ السَّلَفَ الْأَوَّلِينَ فَهُوَ عَلَى خَطَأٍ، وَهَذَا كافٍ2، وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ الْعُلَمَاءُ بِمِثْلِهِ جارٍ هَذَا الْمَجْرَى3.
وَمِنْ هُنَالِكَ لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ السُّنَّةِ دَعْوَى الرَّافِضَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ كَافَّةِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِهِ أَوْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ، وَكَثِيرًا مَا تَجِدُ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يُحَمِّلُونَهُمَا4 مَذَاهِبَهُمْ، وَيُغَبِّرُونَ بِمُشْتَبِهَاتِهِمَا5 فِي وُجُوهِ الْعَامَّةِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى شيء.
ولذلك أمثلة كثيرة كالاستلالات الباطنية على سوء مذهبهم بما هو شهير
__________
1 كما جاء في الحديث الصحيح بشواهده، ومضى تخريجه "2/ 434".
2 هذه قاعدة بديعة، ركز عليها المصنف كثيرا فيما سبق وفيما سيأتي، وعليها مدار نجاة المرء، وتكلم عليها الفقهاء المحققون كثيرا، مثل: الشافعي في "رسالته" البغدادية، ونقل عنها ابن القيم في "إعلام الموقعين" "1/ 80 و1/ 69- ط دار الحديث"، وأولاها عناية تامة ابن تيمية؛ كما تراه في "مجموع الفتاوى" "3/ 157 و4/ 91-94 و132 وما بعدها، و157-158 و5/ 7، 8 و13/ 24"، و"شرح العقيدة الأصفهانية" "ص128"، و"نقض المنطق" "7، 8"، و"الإيمان" "ص417"، وكذلك تلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين" "1/ 79 وما بعدها و4/ 118 وما بعدها و147-155"، و"مختصر الصواعق المرسلة" "2/ 345-349".
3 فهو مصادم بعمل السلف الأولين. "ف".
4 في الأصل و"ف" و"ط": "يحملونها"، قال "ف": "الأنسب يحملونها، وكذا قوله بمشتبهاتها، الأنسب فيه التثنية".
5 هكذا في "د" فقط، وفي غيرها: "بمشتبهاتها".
الصفحة 281