كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)

وَكَثِيرٌ مِنَ الْآيَاتِ أُخْبِرَ فِيهَا بِأَحْكَامٍ كُلِّيَّةٍ كَانَتْ فِي الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ فِي شَرِيعَتِنَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الْحَجِّ: 78] .
وَقَالَ فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] .
وَقَالَ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 183] .
وَقَالَ: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17] .
وقال: {كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس} [الْمَائِدَةِ: 45] .
إِلَى سَائِرٍ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الضَّرُورِيَّاتِ.
وَكَذَلِكَ الْحَاجِيَّاتُ؛ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا بِمَا لَا يُطَاقُ، هَذَا وَإِنْ كَانُوا قَدْ كُلِّفُوا بِأُمُورٍ شَاقَّةٍ؛ فَذَلِكَ لَا يَرْفَعُ أَصْلَ اعتبار الحاجيات، ومثل ذلك التحسينات؛ فقد قال تعالى1: {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 29] ، وَقَوْلُهُ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الْأَنْعَامِ: 90] يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ دُخُولَ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ؛ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى، وَالدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
__________
1 انظر كيف يعد ما في هذه الآية من ضد التحسينات ومكارم الأخلاق، لا من ضد الضروريات، لا سيما قطع السبيل. "د".
وكتب "م" ما نصه: "في اعتبار المؤلف ما ذكر في الآية من باب الحاجيات نظر، فإن بعضها على الأقل من باب الضروريات؛ فتأمل، والله يعصمك".

الصفحة 366