كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)
حَالٍ، لَكِنْ بِحَسَبِ كُلِّ مَقَامٍ، وَعَلَى مَا تُعْطِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، لَا عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، وَلَا حُكْمٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ وُكِلَ ذَلِكَ إِلَى نَظَرِ الْمُكَلَّفِ؛ فَيَزِنُ بِمِيزَانِ نَظَرِهِ، وَيَتَهَدَّى لِمَا هُوَ اللَّائِقُ وَالْأَحْرَى فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ، آخِذًا مَا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَحَاسِنِ الْعَادِيَّةِ؛ كَالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَإِنْفَاقِ عَفْوِ الْمَالِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ 1 عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ؛ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ" إِلَخْ2.
فَقَوْلُ3 اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النَّحْلِ: 90] لَيْسَ الْإِحْسَانُ فِيهِ مَأْمُورًا بِهِ أَمْرًا جَازِمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا غَيْرَ جَازِمٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ الْمَنَاطَاتِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ إِحْسَانَ الْعِبَادَاتِ بِتَمَامِ أَرْكَانِهَا مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ، وَإِحْسَانَهَا بِتَمَامِ آدَابِهَا مِنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ؟
وَمِنْهُ إِحْسَانُ الْقِتْلَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَإِحْسَانُ الذَّبْحِ إِنَّمَا هُوَ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الذَّبْحِ مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ إِذَا كَانَ هَذَا الْإِحْسَانُ رَاجِعًا إِلَى تَتْمِيمِ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ، وَكَذَلِكَ الْعَدْلُ فِي عَدَمِ الْمَشْيِ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ كالعدل في أحكام الدماء والأمور وَغَيْرِهَا؛ فَلَا يَصِحُّ إِذًا إِطْلَاقُ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} [النَّحْلِ: 90] أَنَّهُ أَمْرُ إِيجَابٍ أَوْ أَمْرُ نَدْبٍ؛ حَتَّى يُفَصَّلَ الْأَمْرُ فِيهِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ تَارَةً، وَإِلَى نَظَرِ الْمُكَلَّفِ وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا تَارَةً أُخْرَى، بِحَسَبِ ظُهُورِ الْمَعْنَى وخفائه.
__________
1 هو فعل الحسن ضد القبيح. "د".
2 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، 3/ 1548/ رقم 1955" عن شداد بن أوس مرفوعًا، وتتمته: "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".
3 أي: فيؤخذ من هذا الأصل هذا المعنى في الآية. "د".
الصفحة 396