وَالضَّرْبُ الثَّانِي:
أَنْ تَأْتِيَ فِي أَقْصَى مَرَاتِبِهَا1، وَلِذَلِكَ تَجِدُ الْوَعِيدَ مَقْرُونًا بِهَا فِي الْغَالِبِ، وَتَجِدُ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْهَا أَوْصَافًا لِمَنْ مَدَحَ اللَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَنْهِيَّ عَنْهَا أَوْصَافًا لِمَنْ ذم الله من الكافرين.
__________
1 أي: تارة تأتي الأوامر والنواهي مطلقة دون أن تقترن بعظيم الوعد ولا شديد الوعيد، وتارة يأتي الأمر بالخصلة في أفضل مرتبته من تأكيد أمره وتفخيم شأنه؛ حتى لا يسع المكلف التساهل فيه، سواء أكان أمرًا صريحًا أم في معنى الصريح؛ كما في قوله تعالى: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه} [آل عمران: 31] الآيتين، وقوله: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9، التغابن: 16] مع قوله: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [التغابن: 17] الآية، وقوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} [النساء: 13 والفتح: 17] الآيتين، وكما في حديث: "ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حق الله فيها؛ إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت" * الحديث، وفي طلب الرفق بمخلوقات الله: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها" ** الحديث، "الرحمة شجنة من الرحمن؛ من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله" ***، وهكذا ما لا يحصى من الأوامر والنواهي لقوله تعالى: {لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّه} الآية [يوسف: 87] ، {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} الآية، والمشاقة أن يكون المرء في شقٍ والشرع في شقٍ آخر؛ فهي المخالفة مطلقًا، ولكن في الآية جاءت على أقصى مرتبة كما يدل عليه الوعيد، ومنه: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِين} الآية [آل عمران: 28] ، والحديث: "لا تكذبوا علي؛ فإنه من كذب علي متعمدًا يلج النار"، وكأحاديث الرياء وما فيها من التشديد والتهويل في أمره. "د".
__________
* أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة/ رقم 987".
** أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب منه، 6/ 515/ رقم 3482"، وكتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء/ رقم 2365"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة، باب تحريم تعذيب الهرة، 4/ 1760/ رقم 2242".
*** أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأدب، باب من وصلها وصله الله، 10/ 417/ رقم 5988"، ومسلم في "صحيحه" كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم، 4/ 1981/ رقم 2555".