كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)

الشِّدَّةِ مَعَ آيَةِ الرَّخَاءِ؛ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ رَاغِبًا رَاهِبًا؛ فَلَا يَرْغَبُ رَغْبَةً يَتَمَنَّى فِيهَا عَلَى اللَّهِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا يَرْهَبُ رَهْبَةً يُلْقِي فِيهَا بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، أَوَلَمَ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَهْلَ النَّارِ بِسَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ حُسْنٍ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَكُونَ مِنْهُمْ، وَذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَجَاوَزَ لَهُمْ عَمَّا كَانَ لَهُمْ مِنْ سَيِّئٍ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ؛ قُلْتُ: إِنِّي مُقَصِّرٌ، أَيْنَ عَمَلِي مِنْ أَعْمَالِهِمْ؟ "1، هَذَا مَا نَقَلَ، وَهُوَ مَعْنَى2 مَا تَقَدَّمَ.
فَإِنْ صَحَّ؛ فَذَاكَ، وَإِلَّا؛ فَالْمَعْنَى صَحِيحٌ يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِقْرَاءُ.
وقد روي: "أَوَلَمَ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أَهْلَ النَّارِ بِسَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ ما كان لهم من حسن، فيقول القائل: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُمْ؛ فَيَطْمَعُ، وَذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَجَاوَزَ لَهُمْ عَمَّا كَانَ لَهُمْ مِنْ سَيِّئٍ، فَيَقُولُ قَائِلٌ: مِنْ أَيْنَ أدركُ دَرَجَتَهُمْ؟ فَيَجْتَهِدُ"3. وَالْمَعْنَى عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ صَحِيحٌ أَيْضًا يَتَنَزَّلُ عَلَى الْمُسَاقِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا
__________
1 أخرجه ابن زبر في "وصايا العلماء" "ص32-33" بإسناد ضعيف وفيه انقطاع أيضًا، أبو المليح الهذلي لا يعرف له سماع من أبي بكر ولا عمر، ورواه عنه عبيد الله بن أبي حميد أبو الخطاب، قال البخاري: "منكر الحديث"، وقال: "يروي عن أبي المليح عجائب"، وقال النسائي: "متروك"، وقال دحيم: "ضعيف".
2 هو على هذه الرواية مال إلى الخوف عند ذكر أهل النار؛ لما ذكر أهل الجنة لم تسكن نفسه إلى الرجاء، بل ذكر تقصيره ليجتهد؛ فلم يرج، بل هو خائف في الحالتين، وليس دائرًا بين الأمرين الذي هو المعنى المتقدم، أما في الرواية بعد؛ فالمعنى فيها يوافق ما تقدم، والظاهر أن الرواية الأولى تبين حال أبي بكر نفسه، وهي غلبة الخوف عليه كما هو معروف عنه، والرواية الثانية يقولها على لسان غيره رضي الله عنه. "د".
3 أخرجه ابن زبر في "وصايا العلماء" "ص34-35" بإسناد ضعيف منقطع، قتادة بن دعامة لم يدرك أبا بكر.

الصفحة 399