كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)
أَعْيَانِ الْمَصَالِحِ فِي الْمَأْمُورَاتِ، وَالْمَفَاسِدِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ1؛ فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ: {أَقِيمُوا الصَّلاة} الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالْإِدَامَةُ2 لَهَا، وَمِنْ قَوْلِهِ: "اكْلَفُوا مِنَ العمل ما لكم له طَاقَةٌ" 3 الرِّفْقُ بِالْمُكَلَّفِ خَوْفَ الْعَنَتِ أَوِ الِانْقِطَاعِ، لَا أَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْسُ التَّقْلِيلِ مِنَ الْعِبَادَةِ، أَوْ تَرْكُ الدَّوَامِ عَلَى التَّوَجُّهِ لِلَّهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه} [الْجُمُعَةِ: 9] مَقْصُودُهُ الْحِفْظُ عَلَى إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَعَدَمُ التَّفْرِيطِ فِيهَا، لَا الْأَمْرُ بِالسَّعْيِ إِلَيْهَا فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الْجُمُعَةِ: 9] جارٍ مَجْرَى التَّوْكِيدِ لِذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُلَابَسَةِ الشَّاغِلِ عَنِ السَّعْيِ، لَا أَنَّ الْمَقْصُودَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا4 فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، عَلَى حَدِّ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ5، أَوْ بَيْعِ الرِّبَا، أَوْ نَحْوِهِمَا6.
وَكَذَلِكَ إِذَا قال: "لا تصوموا يوم النحر" 7 المفهوم مَثَلًا قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَى تَرْكِ إِيقَاعِ الصَّوْمِ فِيهِ خُصُوصًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: "لَا تُوَاصِلُوا" 8، أَوْ قوله: "لا
__________
1 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" 25/ 282-283 و29/281-292".
2 وهذا فُهِم بتتبع الأوامر الواردة في المحافظة على الصلاة، ومن القرائن المحتفة بهذه الأوامر وهي فعله صلى الله عليه وسلم وفعل صحابته في إقامه الصلاة مع القرائن المقالية؛ كقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات} [البقرة: 238] ، وهكذا. "د".
3 مضى تخريجه "ص404".
4 أي: بل ذلك لمن تلزمه الجمعة فقط، لأنه يكون معطلًا له وشاغلًا عنها؛ فليس النهي عنه مقصودًا لذاته، بل هو تبعي مكمل لطلب إقامة الجمعة؛ فلذلك قال: "جارٍ مجرى التوكيد"؛ لأن الأمر بالسعي متضمن للنهي عما يشغل عنه؛ فكان التصريح بهذا المنهي كالتأكيد. "د".
5 سيأتي تخريجه "ص416".
6 في الأصل: "نحوها".
7 مضى تخريجه "ص404"، وهو صحيح.
8 مضت الأحاديث التي فيها النهي عن ذلك.
الصفحة 413