كتاب الموافقات (اسم الجزء: 3)

وَفِي هَذَا أَمْرَانِ إِنْ أَخَذْنَا بِظَاهِرِ النَّهْيِ:
أحدهما:
أنه نهاهم فلم ينتهوا؛ فلوا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ ظَاهِرُهُ لَكَانُوا قَدْ عَانَدُوا نَهْيَهُ بِالْمُخَالَفَةِ مُشَافَهَةً، وَقَابَلُوهُ بِالْعِصْيَانِ صُرَاحًا، وَفِي الْقَوْلِ بِهَذَا مَا فِيهِ.
وَالْآخَرُ:
أَنَّهُ وَاصَلَ بِهِمْ حِينَ لَمْ يَمْتَثِلُوا نَهْيَهُ، وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لَكَانَ تَنَاقُضًا1، وَحَاشَى لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ النَّهْيُ لِلرِّفْقِ بِهِمْ خَاصَّةً، وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يُسَامِحُوا أَنْفُسَهُمْ بِالرَّاحَةِ، وَطَلَبُوا فَضِيلَةَ احْتِمَالِ التَّعَبِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ؛ أَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُرِيَهُمْ بِالْفِعْلِ مَا نَهَاهُمْ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ دُخُولُ الْمَشَقَّةِ، حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ نَهْيَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ الرِّفْقُ بِهِمْ، وَالْأَخْلَقُ بِالضُّعَفَاءِ الَّذِينَ لَا يَصْبِرُونَ عَلَى احْتِمَالِ اللَّأْوَاءِ2 فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِمْ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَأَمَرَ بِأَشْيَاءَ، وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ فِيهَا إِطْلَاقًا لِيَحْمِلَهَا الْمُكَلَّفُ فِي نَفْسِهِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى التَّوَسُّطِ، لَا عَلَى مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَجَاءَ الْأَمْرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَسَائِرِ الْأُمُورِ الْمُطْلَقَةِ، وَالنَّهْيُ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ وَسَائِرِ الْمَنَاهِي الْمُطْلَقَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ جُعِلَ لَهُ النَّظَرُ فِيهَا بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ وَمُنَّتُهُ3، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ مُجَرَّدًا مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي.
وَقَدْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ4، وَذَكَرَ مِنْهُ أشياء؛ كبيع
__________
1 لأنه أقرهم على الوصال على أنه عبادة، مع أنه لو أخذ النهي على ظاهره لكان معصية، ولا يقال: إنه نسخ؛ لأن الحكم الأول بقي على حاله. "د".
2 أي: المشقة والشدة. "ف".
3 بضم الميم: القوة، وخص بعضهم بها قوة القلب. "ف".
4 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والذي فيه غرر، 4 /1153/رقم 1513" عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "نهى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بيع الحصاة، وعن بيع الغرر".

الصفحة 416