يَنْحَصِرُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، لَوِ اعْتُبِرَ اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِكَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
وَعَلَى هَذَا الْمُسَاقِ يَجْرِي التَّفْرِيقُ1 بَيْنَ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَصَبِّهِ مِنَ الْإِنَاءِ فِيهِ.
وَقَدْ حَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ2 عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ3 أَنَّهُ نَاظَرَ أَبَا بَكْرِ بْنَ دَاوُدَ الْأَصْبَهَانِيَّ فِي الْقَوْلِ بِالظَّاهِرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ3: "أَنْتَ تَلْتَزِمُ الظَّوَاهِرَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه} [الزَّلْزَلَةِ: 7] ؛ فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّتَيْنِ؟ فَقَالَ مُجِيبًا: الذَّرَّتَانِ ذَرَّةٌ وَذَرَّةٌ. فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ3: فَلَوْ عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَنِصْفٍ؟ فَتَبَلَّدَ وَانْقَطَعَ"4.
وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَذْهَبَ دَاوُدَ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ5، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ تَغَالِيًا فِي رَدِّ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ؛ فالعمل بالظواهر أيضًا
__________
1 أي: فلو اعتبر اللفظ بمجرده فيه كما اعتبره الظاهرية؛ لم يكن له معنى معقول، بل المعقول مما سيق له الحديث أنه لا فرق بين الأمرين؛ لأن كلا منهما قد يكون سببًا في تنجيس الماء وإفساده. "د".
2 في كتابه "البرهان في أصول الفقه" "2/ 881".
3 في "ط" في المواضع كلها: "ابن شريح"، وهو خطأ.
4 في "البرهان" "2/ 881": "فتبلد وظهر خزيه".
5 انظر آراء شديدة تهاجم الظاهرية في: "عارضة الأحوذي" لابن العربي "10/ 108-112"، و"طبقات الشافعية الكبرى" "2/ 45"، و"لسان الميزان" "2/422-424"، وكتابنا هذا "5/ 149".
ومن أحسن ما قيل في أهل الظاهر وأكثره موضوعية نقد ابن القيم الجوزية في "إعلام الموقعين" "2/ 26-40" الذي ذكر فيه أن لأهل الظاهر حسنات يقابلها سيئات؛ فقد أحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها والمحافظة عليها.
وانظر: "الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي" "ص143 وما بعدها".