كتاب الموافقات (اسم الجزء: 4)
قال عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ: "الزَّنَادِقَةُ وَالْخَوَارِجُ وَضَعُوا ذَلِكَ الْحَدِيثَ". قَالُوا1: "وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا تَصِحُّ2 عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِصَحِيحِ النَّقْلِ مِنْ سَقِيمِهِ، وَقَدْ عَارَضَ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْمٌ3؛ فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِضُهُ4 عَلَى كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَنَعْتَمِدُ5 عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: فَلَمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ؛ وَجَدْنَاهُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ، لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ لَا نَقْبَلَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا مَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ، بَلْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ يُطْلِقُ التَّأَسِّيَ بِهِ، وَالْأَمْرَ بِطَاعَتِهِ، وَيُحَذِّرُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ عَنْ أَمْرِهِ جُمْلَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ".
هَذَا6 مِمَّا يُلْزِمُ الْقَائِلَ: إِنَّ السُّنَّةَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْكِتَابِ، وَلَقَدْ ضَلَّتْ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ طَوَائِفُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ؛ فَالْقَوْلُ بِهَا وَالْمَيْلُ إِلَيْهَا مَيْلٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ الْمَذْكُورَةَ لَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى خلاف ما تقدم.
أما الوجه الْأُوَلُ؛ فَلِأَنَّا إِذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ بَيَانٌ لِلْكِتَابِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لِمَا فِي الْكِتَابِ احْتِمَالٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَتُبَيِّنُ السُّنَّةُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَإِذَا عَمِلَ الْمُكَلَّفُ عَلَى وَفْقِ الْبَيَانِ؛ أَطَاعَ اللَّهَ فِيمَا أَرَادَ بِكَلَامِهِ، وَأَطَاعَ رَسُولَهُ فِي مُقْتَضَى بَيَانِهِ، وَلَوْ عَمِلَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْبَيَانِ؛ عَصَى اللَّهَ تعالى في
__________
1 ما سبق نقله عن ابن مهدي وما يأتي بعد: "قالوا" من كلام ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 1191".
2 لأنها سقيمة التركيب بعيدة عن أسلوبه البارع, صلى الله عليه وسلم. "د".
3 في مطبوع "الجامع" زيادة: "من أهل العلم".
4 في مطبوع "الجامع": "نعرض هذا الحديث".
5 فهي معارضة بالقلب، بنفس دليل الخصم. "د".
6 أي: ما ذكر في الإشكال الرابع من مضاهاة أقوال الخارجين عن السنة والأخذ بما وضعه الزنادقة. "د".
الصفحة 331