الصَّرِيحِ1، وَمِثْلُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ فَإِنَّمَا جَازَ لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ، فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا بِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنِ التَّفَحُّشِ مُطْلَقًا2، وَالْقَوْلُ هُنَا فِعْلٌ3؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى تَكْلِيفِيٌّ4 لَا تَعْرِيفِيٌّ؛ فَالتَّعْرِيفِيُّ هُوَ الْمَعْدُودُ فِي الْأَقْوَالِ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْتَى بِهِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ إِخْبَارًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَالتَّكْلِيفِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يُعَرِّفُ بِالْحُكْمِ بِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَوْلٌ، كَمَا أَنَّ الْفِعْلَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا التَّرْكُ5؛ فَمَحَلُّهُ فِي الْأَصْلِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَهُوَ الْمَكْرُوهُ وَالْمَمْنُوعُ؛ فَتَرْكُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- دَالٌّ عَلَى مَرْجُوحِيَّةِ الْفِعْلِ، وَهُوَ إِمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا فِي حَالٍ؛ فَالْمَتْرُوكُ مُطْلَقًا ظَاهِرٌ، وَالْمَتْرُوكُ فِي حَالٍ كَتَرْكِهِ الشَّهَادَةَ6 لمن
__________
1 وذلك في قوله, صلى الله عليه وسلم: "أنكتها"، كما في "صحيح البخاري" "رقم 6824"، وقد مضى تخريجه "ص117".
2 أورد البخاري في "صحيح" "كتاب الأدب، باب لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاحشًا ولا متفحشًا، 10/ 452" عدة أحاديث فيها النهي عن الفحش، أصرحها برقم "6030" من حديث عائشة -رضي الله عنها- فيه: "وإياك والعنف والفحش".
3 أي: فالفعل في هذا المقام أم مما تعورف عليه في مقابلة القول بالفعل؛ فلذا عد تقريره للزاني فعلًا. "د".
4 التكليف متعلق بالشرع، ومسألة الفرق بين "القول" و"الفعل" لغوية محضة، والاختلاف المذكور بين جهتي القول واقع في كل قول، سواء صدر من المنتسبين إلى الشرع أم غيرهم؛ فلو عبر بقوله: "الوجه الفعلي للقول"؛ لكان أوضح، أفاده الشيخ محمد الأشقر في "أفعال الرسول, صلى الله عليه وسلم" "2/ 36"، وله كلام جيد في التفريق بين الوجه العباري والوجه الفعلي للقول، وانظر: "إحكام الأحكام" "1/ 10"، و"تيسير التحرير" "1/ 249"، و"المعتمد" "1/ 387 و2/ 1006"، و"الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" "ص75".
5 أي: المعبر عنه بالكف سابقًا، وإن كان بينهما اختلاف في المعنى عندهم. "د".
6 أي: تحملها؛ لأن تحمل الشهادة فيما ليس بمباح مكروه، وليس المراد أداء الشهادة؛ لأن كتمان الشهادة لا يجوز مطلقًا، وفي رواية قال: "لا رجعة"، وعليها يكون قد أبطل الهبة رأسًا، فترك الشهادة لعدم وجود محلها إما على رواية "أشهد غيري"؛ فإن محل الشهادة موجود، ولكنه مرجوح ومكروه، فلم يشهد عليه، مع بقائه نافذًا فيكون مما نحن فيه، وبعد؛ فإنما صح له التمثيل بهذا للمتروك في حال؛ لأنه أخذ الشهادة مطلقة، لكنه لو أخذ نوعًا منها وهو الشهادة على نحلة بعض الأولاد دون بعض؛ لكان من قبيل المتروك مطلقًا. "د".