كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 2)

ثمَّ محمَّد بن الحسين الآبُرِيّ (¬١)؛ فقد قال في كتابه «مَناقب الشَّافعي»: «قد تواترت الأَخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم .. أنَّه يخرج عيسى ابن مريم، فيساعده -يعني محمد المهديَّ- على قتل الدَّجال بباب لُدّ بأرض فلسطين، وأنه يؤمُّ هذه الأمَّة، وعيسى عليه السلام يُصلِّي خَلْفَه» (¬٢).
وكذا أبو الوليد ابن رشد القرطبيُّ (ت ٥٩٥ هـ)، حيث قال عنه: «لا بُدَّ من نزوله لتواتر الأَحاديث» (¬٣).
ثمَّ أبو الفداء ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)؛ حيث ساقَ الأَحاديث المُثْبِتَةَ لنزوله عليه السلام، وقال: «فهذه أحاديثُ متواترةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» (¬٤).
وعلى ثبوتِ أحاديث النُّزول وبلوغِها مقامَ القطع في دلالتِها، جَرَت أَقاويل الأئمَّةِ على نَظمِ مَضمونِ تلك الأحاديث في أحرُفِ الاعتقادِ:
تجده -مثلً- عند أحمد بن حنبل في قوله: «والدَّجالُ خارجٌ في هذه الأمَّة لا محالة، وينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، ويقتله ببابِ لُدٍّ» (¬٥).
وقول أبي القاسم الأَصبهاني -الملقَّب بقوَّام السُّنة-: «وأَهل السُّنة يؤمنون بنزول عيسى عليه السلام» (¬٦).
وقولِ القاضي عياض: «نزول عيسى المسيح وقتله الدَّجَّالَ حقٌّ صحيح عند أهل السُّنة؛ لصحيح الآثار الواردة في ذلك؛ ولأنَّه لم يَرِدْ ما يُبطِلُه ويضعِّفُه» (¬٧).
---------------
(¬١) محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم أبو الحسنين، وقيل: أبو الحسين السجستاني الآبري، الشافعي، أحد الأئمة الحُفّاظ، من كتبه «مناقب الشافعي»، توفي سنة (٣٦٣ هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٢٩٩)، و «طبقات الشافعية الكبرى» (٣/ ١٤٩).
(¬٢) نقل هذا النَّص عنه غير واحد من أهل العلم، منهم المزِّي في «تهذيب الكمال» للمزي (٢٥/ ١٤٩)، وابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٤٩٣).
(¬٣) نقله عنه الأُبِّي، كما في «إِكمال إكمال المُعلم» (١/ ٤٤٥).
(¬٤) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٤٦٤).
(¬٥) «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (٢/ ١٦٩).
(¬٦) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٤٦٣).
(¬٧) «إكمال المعلم» (٨/ ٤٩٢).

الصفحة 1096