كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 2)

فأمَّا القول الأوَّل: فذهب إليه جَمْهرةٌ مِن المُحقِّقين (¬١)، منهم القاضي عياض، حيث قال: «اختُلِف في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النَّار إلى ربها .. » الحديث، وقولِهِ: « .. فإنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم»، فحمَله بعضهم على ظاهره، وقال: شكواها حقيقة، [و] (¬٢) أنَّ شدَّة الحرِّ من وهَج جهنَّم حقيقةً؛ على ما جاء ما في الحديث، وأنَّ الله أَذِن لها بنفَسَين: نَفَسٍ في الَّصيف، ونَفَسٍ في الشِّتاء ... وقيل: إنَّه كلام خَرَج مخرج التَّشبيه والتَّقريب ... وكِلا الوَجهين (¬٣) ظاهر، والأوَّل أَظهر، وحمْلُه على الحقيقة أوْلى» (¬٤).
وقال النَّووي بعد نقلِه كلام القاضي عياض موافقًا له: «الصَّواب الأوَّل؛ لأنَّه ظاهر الحديث، ولا مانع مِن حملِه على حقيقتِه، فوَجب الحكم بأنَّه على ظاهره والله أعلم» (¬٥).
وأمَّا القول الثَّاني: فمِمَّن ذهب إليه: ابن الأثير (¬٦)، واحتملَه الخَطَّابيُّ وجهًا في معنى الحديث (¬٧)، وهو مَذهب القَرَضاوي مِن المعاصرين (¬٨).
والرَّاجح بادئ الرَّأي من القولين، ما ذهب إليه أَصحاب القول الأوَّل مِن حَمْلِ الحديث على الحقيقة، إذ المَصير إلى الأصل الظَّأهر هو الأقوى مِن جهة
---------------
(¬١) انظر «التمهيد» لابن عبد البر (١/ ٢٦٣)، و «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣)، و «المسالك شرح موطأ مالك» لابن العربي (١/ ٤٥٦)، و «شرح صحيح مسلم» للنووي (٥/ ١٢٠)، و «المفهم» للقرطبي (٢/ ٢٤٤)، و «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٢٤٤)، و «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ١٧)، و «فيض القدير» للمناوي (٧/ ١٠).
(¬٢) ما بين المعقوفتين زيادة ليستقيم بها الكلام.
(¬٣) يعني الحقيقة والمجاز.
(¬٤) «إكمال المعلم» (٢/ ٥٨٢ ـ ٥٨٣).
(¬٥) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٥/ ١٢٠).
(¬٦) «النهاية في غريب الحديث» (٣/ ٤٨٤).
(¬٧) وليس كما نسبه إليه ابن الملِك الحنفي في «مبارق الأزهار» (١/ ٣٠٢) أن المجاز مذهبه في الحديث، إنَّما جعَلَ الخطابيُّ هذا المجاز وجهًا في معنى الحديث، مع إيراده للوجه الآخر في كونه حقيقة، ولم يرجِّح بينهما، كما تراه في كتابه «معالم السُّنن» (١/ ١٢٩).
(¬٨) «كيف نتعامل مع السنة النبوية» (ص/١٧٨).

الصفحة 1131