كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 2)

الوجه الثَّاني: أنَّ الله أخبرَ أنَّ المَلَكين قد علَّما السِّحرَ، فلو لم يكن له حقيقة لمَا أَمكن تَعلُّمه ولا تعليمه (¬١).
الوجه الثَّالث: في ذِكْرِه سبحانه تفريقَ السَّحَرة بين المرءِ وزوجِه: دلالةٌ بيِّنة على أنَّ للسِّحرِ أَثرًا وحقيقةً يَقَع به التَّفريقُ بين المرأة وزوجها، «قد عبَّر الله عنه بـ (ما) الموصولة، وهي تَدلُّ على أَنَّه شيءٌ له وجودٌ حقيقيٌ» (¬٢).
فليس هو مجرَّد طُرقٍ خبيثةٍ دقيقةٍ تصرف المرءَ عن زوجِه -كما ادَّعاه (محمَّد عبده) - اعتمادًا منه على أصل الوضعِ اللُّغويِ للفظِ السِّحر، بل رتَّب الله على فعلِه التَّكفير لفاعلِه! ولا يُرتَّب الكفرُ على مُجرَّدِ التَّخبيب بين الأزواج.
ومن الأدلَّة القرآنيَّة الأخرى الَّتي احتجُّوا بها:
قول الله تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: ٤].
ووَجه الشَّاهد منها: أَمرُ الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم الاستعاذةَ به مِن شرِّ النَّفَّاثات، سواء كان المُراد بالنِّفاثات: السَّواحرَ اللَّاتي يَعْقِدن في سِحْرِهن وينفُثن (¬٣)، أَو كان المُراد الأنفسَ الخبيثة (¬٤)؛ فلولا أنَّ للسِّحْرِ حقيقةً، لما أَمَرَ الله نبيَّه بالاستعاذةِ مِن خطرِه؛ مع ما ذَكَره كثيرٌ مِن أئمَّةِ التَّفسير أنَّ سَبَب نزول سورة «الفلق»: ما كان مِن سِحر لَبيدِ بن الأعصم للنَّبي صلى الله عليه وسلم (¬٥).
يقول ابن قيِّم الجوزيَّة فيها: «هي دَليلٌ على أَنَّ هذا النَّفث يَضرُّ المَسحورَ في حال غَيْبته عنه، ولو كان الضَّرَر لا يحصُلُ إِلَّا بمباشرةِ البَدَن ظَاهرًا -كما يقوله هؤلاء- لم يكن للنَّفثِ، ولا للنِّفاثات شَرٌّ يُستَعاذ منه!» (¬٦).
---------------
(¬١) انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٢/ ٤٦).
(¬٢) «أضواء البيان» (٤/ ٥٤٦).
(¬٣) انظر «جامع البيان» للطبري (٢٤/ ٧٤٩).
(¬٤) كما هو استظهار الإمام ابن القيِّم في «بدائع الفوائد» (٢/ ٢٢١).
(¬٥) انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٢/ ٤٦)، و «معاني القرآن» للفرَّاء (٣/ ٣٠١)، و «أَسباب نزول القرآن» للواحدي (ص/٤٧٣).
(¬٦) «بدائع الفوائد» (٢/ ٢٢٧).

الصفحة 1213