كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 3)
ثانيها: أنَّه حَصَل عند السَّيد موسى عليه السلام في ذلك الوقتِ حِدَّة، فلولا تَأثُّر الحَجَر بضربِه، وظهور أثَرِه فيه: لزادَتْ حِدَّةُ السَّيد موسى مِن عَدَم حصولِ مقصودِه، وهذا كتشبيهِ مَن يحاول أمرًا ولا يصِل إليه: بالضَّاربِ في حديدٍ باردٍ، فلولا تأثُّر الحَجر بالضَّرب لكان الضَّرب فيه كالضَّرب في حديدٍ باردٍ.
ثالثُها: أنَّه لولا تأثُّر الحَجر بالضَّرب، وبقاء النَّدب فيه: لعَدَّ أهلُ السَّفاهةِ والجهلِ والعُتوِّ والاختلاقِ هذا عَبَثًا، فكان يحصُل لموسى عليه السلام بذلك أذًى زائدٌ على ما تقدَّم، والقصد رفعُ الأذى عنه، لا جلبُه إليه» (¬١).
وأمَّا جواب المعارضةِ الثالثة: في دعواه أنَّ المقصود بالآية الكريمةِ تحذيرَ الأمَّة من إيذاءِ النَّبي صلى الله عليه وسلم كما آذت بنو إسرائيل موسى عليه السلام حين اتَّهمته بالسِّحر والكذب أو قتلِ أخيه .. إلخ:
فلا يُنكَر اختلافُ أهل التَّأويل في المُراد مِن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا}.
فإنَّ منهم مَن قال: إنَّ بني إسرائيلَ قالت أنَّ بموسى آفةً في جسَدِه من أدرةٍ أو برصٍ ونحوهما، كما ذكرنا في الحديث.
وقيل: أنَّه صَعِد الجَبَل ومعه هارون، فمات هارون فقالوا: أنتَ قتلتَه، رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقيل: أنَّ قارون استأجَرَ بَغِيَّةً لتقذف موسى بنفسِها على ملأٍ من بني إسرائيل، فعصمها الله، وبرَّأ موسى مِن ذلك، قاله أبو العالية (¬٢).
والقول الرَّابع: أنَّهم رَموه بالسِّحر والجُنون، حكاه الماوَرديُّ (¬٣).
---------------
(¬١) «طرح التثريب» (٢/ ٢٣١).
(¬٢) رفيع بن مهران، أبو العالية الريَّاحى البصرى، المقرِئ، الحافِظُ، المُفَسِّرُ، ثقة من كبار التابعين، توفي (٩٠ هـ وقيل ٩٣ هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٢٠٧).
(¬٣) انظر هذه الأقوال في «جامع البيان» للطبري (١٩/ ١٩٠)، و «النكت والعيون» للماوردي (٤/ ٤٢٧)، و «زاد المسير» لابن الجوزي (٣/ ٤٨٥).
والماورديُّ: هو علي بن محمد حبيب، أبو الحسن البصري، من علماء الشَّافعية، ومن أقضى قضاة عصره، انتقل من البصرة إلى بغداد، وكان يميل إلى مذهب الاعتزال، من تصانيفه «النكت والعيون» في التفسير، و «أدب الدنيا والدين»، انظر «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٧٨)، و «الأعلام» للزركلي (٤/ ٣٢٧).