كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 3)
الفهمِ للحديثِ مسائلَ عديدة، تَتعلَّق بِما تُلقيه المرأة ممَّا يَثبُت به حكم النِّفاس، وتنقضي به العدَّة والاستبراء، وتصير به المرأة أمَّ ولد، ونحو ذلك مِن مسائل الفروع (¬١).
ولذلك نراهم يتَكلَّفون تفسيرَ حديث حذيفة بن أسيدٍ وتوجيهَه! فمنهم مَن حَملَه على بعض الأجِنَّة، وحمَلَ حديث ابنِ مسعود على البَعضِ الآخر، بدعوى تخصيصِ كلِّ واحدٍ مِن الحديثين بالآخر (¬٢)! وهذا مناقضٌ لدلالةِ العمومِ في كِلا الحديثين وسياقِهما.
وذَهَب آخرون، كابن الصَّلاح (¬٣) وتبعه ابنُ تيميَّة (¬٤) وابن القيِّم (¬٥): إلى إمكانِ أن تكون الكِتابةُ المَلَكيَّة مَرَّتين، جمعًا بين الحديثين، فتكون الأولى عقيبَ الأربعين كما في حديث حذيفة، ثمَّ تكون الثَّانية عقب المائة والعشرين كما في حديث ابن مسعود (¬٦)؛ وزاد ابن تيميَّة: احتمالَ أن تكونَّ ألفاظُ حديث حذيفة بن أسيدٍ لم تُضبط حقَّ الضَّبط، ولهذا اختلَفَت رواتُه في ألفاظِه (¬٧)!
فكذا قال الفريقان؛ وكِلا الاحتمالين عندي بَعيد.
فأمَّا كون الكِتابة مَرَّتين: فالأظهرُ من الحديثين أنَّها واحدة (¬٨)؛ وأيُّ فائدة أن تُكرَّر الأجوبة على المَلَكِ مَرَّتين مُتباعدتين؟!
---------------
(¬١) انظر مثلًا: «المحلى» لابن حزم (٤/ ٢٥٣)، و «بدائع الصنائع» للصاغاني (٣/ ١٩٥)، و «المقدمات الممهدات» لابن رشد (٣/ ٣٢٧)، و «الذخيرة» للقرافي (١١/ ٣٢٤)، و «نهاية المطلب» للجويني (١٤/ ٣٣٧)، و «المغني» لابن قدامة (٨/ ١٢٠).
(¬٢) وهو صنيع الطُّوفي في «التَّعيين في شرح الأربعين» (ص/٨٦).
(¬٣) «فتاوي ابن الصلاح» (ص/١٦٥).
(¬٤) سيأتي عزو كلامه.
(¬٥) «التبيان في أقسام القرآن» (ص/٣٤٥)، و «طريق الهجرتين» (ص/٧٤) كلاهما لابن القيم.
(¬٦) وقريب من هذا الجمع كلام ابن الملقِّن في «التوضيح» (٥/ ٩٧).
(¬٧) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٤١).
(¬٨) «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (١/ ١٦٥).