كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 1)

لكن علماء القرآن بحقٍّ لم يُفوِّتوا بيانَ خطأِ الاستدلالِ بالآيتينِ على ما أرادَ المُنكرون منها، فقالوا: الكتاب في الآية لفظ مُجملٌ، والمُراد به في الآية الأولى: اللَّوح المَحفوظ، بدلالةِ السِّياقِ (¬١).
وعلى التَّسليمِ بأنَّ المُراد به القرآن، فمِن عدمِ تفريطِ الكتابِ في شيءٍ: أنه بيَّن لنا وجوب الأخذِ عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم سُنَّته وتفاصيل التَّشريعات! فكلُّ هذه التَّفصيلاتِ النَّبويَّةِ داخلةٌ في مُسمَّى الكتاب، باعتبارِها مأخوذةً مِن القرآنِ تأصيلًا.
كما قال أبو العبَّاس القرطبيُّ (ت ٦٥٦ هـ): «مِن الأحكام والشُّروط ما يوجد تفصيلُها في كتابِ الله تعالى: كالوضوء، وكونِه شرطًا في صِحَّة الصَّلاة؛ ومنها ما يوجد فيه أصلُه: كالصَّلاة، والزَّكاة، فإنَّهما فيه مُجمَلتان؛ ومنها ما أصلُ أصلِه: وهو كدلالةِ الكتابِ على أصليَّة السُّنةِ والإجماعِ والقياسِ، فكلُّ ما يُقتبَس مِن هذه الأصول تفصيلًا، فهو مَأخوذٌ مِن كتاب الله تأصيلًا» (¬٢).
فالقصدُ من هذا أنَّ تفاصيل التَّشريعات الَّتي لم تَرِد في القرآن، كعددِ الرَّكعات، وأنصبةِ الزَّكوات، وغيرِها مِن العبادات والمُعاملاتِ: هي بيانٌ لصِفة التَّشريعِ، وما كان كذلك فهو مِن التَّشريع نفسِه.
وأمَّا الآية الثَّانية: فالمُراد منها إقامة الحُجَّة على المشركين المُتعنِّتين في طلبِ الآياتِ الحِسيَّةِ على صدقِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، ببيانِ أنَّ في القرآن كفايةً على صدقِه في نُبَّوته.
فلا دخلَ إذن للآيةِ في تفصيلاتِ التَّشريع أصلًا، ويتأكَّد هذا بالنَّظر إلى سِباقِ الآية الكريمة، في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [العنكبوت: ٥٠].
---------------
(¬١) انظر «جامع البيان» لابن جرير (٩/ ٢٣٤)، و «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٥٣).
(¬٢) «المُفهم» (١٣/ ١٤١).

الصفحة 240