كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 1)
مِن طريقِ عبد الملك بن مسلم (¬١)، عن عيسى بن حطَّان (¬٢)،
أنَّه شهِد عمرَو بنَ ميمون، حين سُئِل عن أعجبِ ما رأى في الجاهليَّة؟ قال:
«كنتُ في اليَمَن في غَنمٍ لأهلي، وأنا على شُرُفي، قال: فجاءَ قِردٌ ومعه قِردة، فتوسَّد يدَها فوَضَع يدَه فوق جسَدَها فنام، قال: فرأيتُ قردًا أصغرَ منه جاء يمشي خفيًّا، حتَّى غمز القِردة بيده، ثمَّ وَلَّى ذاهبًا، قال: فسَلَّت يدَها مِن تحتِ خدِّه سلًّا رقيقًا، قال: ووَضَعَت خدَّه على الأرض، ثمَّ تَبِعَته، قال: فوَقَع عليها وأنا أنظر إليه.
قال: ثمَّ رَجَعتَ، فجَعَلت تُدخِل يدَها تحتَ خدِّه إدخالًا رقيقًا، قال: فاستيقظَ فزِعًا مذعورًا! قال: وأطافَ بها وشمَّها، ثمَّ شمَّ حياهَا (¬٣)، فصاحَ صيحةً شديدةً، قال: فجَعَلَت القُرود تَجيء يَمنةً ويسرةً، مِن بين يديه ومِن خلفه، واجتمعَ منهم جماعة، قال: فجَعَل يَصيح ويُومئ إليها بيَدِه، ثمَّ سَكَت، قال: فذَهَبت القرود يمنةً ويسرةً، قال: فما لبِثنا أن جاءوا به بعينِه أعرفُه، فحَفَروا لهما حُفَيرة فرَجموهما، فلقد رأيتُ الرَّجم في غيرِ بني آدم قبل أن أراه في بني آدم!» (¬٤).
وقد علِمنا قبلُ اختصاصَ كلِّ أنثى من القرودِ بذَكرٍ مُعَيَّنٍ، فإذا أمكَنَتْ نفسَها مِن آخر مع بقاء ارتباطِها بالأوَّل: عُدَّ ذلك في طباعِها خِيانةً، يستحقُّ فاعِلُه العقابَ، كحالِ الإنسان تمامًا.
---------------
(¬١) عبد الملك بن مسلم بن سلام الحنفي، أبو سلام الكوفي، ثقة شيعي، من كبار أتباع التابعين، انظر «تهذيب الكمال» (١٨/ ٤١٥).
(¬٢) عيسى بن حطَّان الرقاشى، من أواسط التابعين، وَثَّقه العجلي وابن حبَّان، انظر «تهذيب الكمال» (٢٢/ ٥٩٠).
هذا وإنَّ قول ابن عبد البرِّ في «الاستيعاب» (٣/ ١٢٠٦) في عبد الملك بن مسلم، وعيسى بن حطَّان: «لَا يُحْتَجُّ بهما»: ممَّا ردَّه عليه ابن حجر، فإنَّ عبد الملك ثقة مِن رجال الصَّحيح، ولم يسبقه أحد في تضعيفه، وأمَّا عيسى فقال في «التَّقريب»: «مقبول»، أي حسن الحديث إذا توبع، فحديثه لا بأس به في غير الأحكام على وجه الخصوص، وانظر «لسان الميزان» لابن حجر (٦/ ٢٦٠).
(¬٣) أي: دُبرها، كما في رواية أبي نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/ ٢٠٤٧).
(¬٤) أخرجه ابن شاذان في «أجزائه» (ج ٢/ ١٠١ مخطوط)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/ ٢٠٤٧)، وساقها الإسماعيلي في «مستخرجه» من نفس هذا الطَّريق، كما في «الفتح» لابن حجر (٧/ ١٦٠).