كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 1)
غير ترجيحٍ لأحدِهما على الآخر، وما عَدا ذلك فالإجماعُ حاصلٌ على تسليمِ صحَّتِه» (¬١).
وأصل استثناءِ العسقلانيِّ للمُتعارضين من أصل إفادة العلم مَبنيٌّ على كونِ التَّعارض لا يقع بين القطعيَّين، إذ القطعُ باعتبارِ ذاتِه لا يَتفاوت، ونفي الاحتمال على الإطلاقِ شيءٌ واحد لا يَتَعدَّد (¬٢)، إنَّما يقع التَّعارض والتَّفاوتُ في الظَّنِيَّات (¬٣).
وابن حجر مَسبوق في هذا الاحتراز من الآمديِّ (ت ٦٣١ هـ)، حيث قال:
«لو كان حديث الثِّقة مُفيدًا للعلم بمجرَّده، فلو أخبرَ ثقةٌ آخرَ بضدِّ خبرِه، فإن قلنا: خبرُ كلِّ واحدٍ يكون مُفيدًا للعلم، لزم اجتماعُ العلم بالشَّيء وبنقيضه، وهو مُحال، وإن قلنا: خبرُ أحدِهما يُفيد العلم دون الآخر، فإمَّا أن يكون مُعيَّنا، أو غير مُعيَّن.
فإن كان الأوَّل: فليس أحدُهما أولى مِن الآخر، ضرورةَ تَساويهما في العدالةِ والخبرِ.
وإن لم يَكن مُعيَّنا: فلم يحصُل العلم بخبرٍ واحدٍ منهما على التَّعيين، بل كلُّ واحدٍ منهما إذا جَرَّدنا النَّظرَ إليه، كان خبرُه غير مُفيدٍ للعلم، لجوازِ أن يكون المُفيد للعلمِ هو خبرُ الآخر» (¬٤).
وحيث أنَّ التَّعارضَ مِن جملة الموانِع من الحكم بقطعيَّة الحديثين، احتاجَ النَّاظر إلى ترجيحِ أحدِهما على الآخر بإحدى المرجِّحاتِ المتعلِّقة بالمتن أو السَّند، هذا إن عجزَ نظرُه عن الجمعِ بينهما (¬٥)؛ فإمَّا أن يقضيَ بعدهَا بإبطالِ
---------------
(¬١) «نزهة النظر» لابن حجر (ص/٥١ - ٥٢).
(¬٢) نقل غير واحدٍ من أهل العلمِ اتِّفاقَ العقلاءِ على ذلك، انظر «درء التعارض» لابن تيمية (١/ ٧٩)، و «شرح العضد على مختصر ابن الحاجب» (٢/ ٢٩٨).
(¬٣) انظر «المنخول» للغزالي (ص/٥٣٤)، و «البحر المحيط» للزركشي (٨/ ١٤٧).
(¬٤) «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (٢/ ٣٣).
(¬٥) انظر «البحر المحيط» للزركشي (٨/ ١٢٥).