كتاب المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين (اسم الجزء: 2)

أو المشبِّهة -تعالى الله الَّذي ليس كمثله شيء- يمكن أن نتخيَّل ربَّ العزَّة هنا على هيئة وصورة أقلُّ ما يُقال فيها إنَّها لا تليق بجلالة الله وعظمته» (¬١).
المعارضة الثَّالثة: أنَّه يلزم من وضعِ قدم الله تعالى في النَّار مَسُّ الخلقِ للذَّاتِ الإلهيَّة ومخالطتها، فإنَّ لفظ (في) في روايةِ أنس رضي الله عنه: « .. حتَّى يضع فيها ربُّ العالمين قدَمه» (¬٢)، يفيد الظَّرفية، و «معنى ذلك أنَّ بعضَ أجزاءِ جسمِه تحلُّ بخلقِه، لأنَّ النَّارَ بعضُ خلقِه» (¬٣)، وهذا باطل شَرعًا وعقلًا.
ثمَّ فرَّع المُعترض عن هذا التَّوهم الوجهَ التَّالي من أوجُه المعارضةِ، وهو:
أنَّ القرآن أخبر أنَّ النَّار تمتلئ بإبليسَ وأتباعه فقط: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: ٨٥]، بينما الحديث يذكر امتلائها بوضعِ قدمِ الرَّبِ فيها أيضًا (¬٤).
المعارضة الرَّابعة: أنَّ الجنَّة والنَّار مِن الجمادات المَسلوبة العقلِ والحاسَّة، فلن يكون لهما «مَعرفةٌ بما حلَّ فيهما مِن مُتجبِّر ومتكبِّر، أو ضعيفٍ وساقط مِن النَّاس» (¬٥)، وعليه فإنَّ في «متنِ هذا الحديث خَللًا في المعنى، لأنَّ الجنَّة والنَّار غير عاقلتين فتتكلَّمان» (¬٦).
ثمَّ فرَّعوا عن هذا الاعتراض اعتراضًا لازمًا له، مفاده في:
المعارضة الخامسة: أنَّ مَن علِم أساليبَ العربيَّة في الخطابِ القرآنيِّ، يدرك أنَّ ما وَرد في آيةِ {وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} مِن كلامِ جهنَّم، هو مَحمول على المجازِ
---------------
(¬١) «قراءة في منهج البخاري ومسلم» لمحمد زهير الأدهمي (ص/٣٥١)، وانظر «تحرير العقل من النقل» (ص/٢٥٧).
(¬٢) أخرجه البخاري (ك: التوحيد، باب قول الله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ}، ومن حلف بعزة الله وصفاته، رقم: ٧٣٨٤)، ومسلم (ك: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم: ٢٨٤٨).
(¬٣) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٦٥١).
(¬٤) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٣٣٨)، وقوله آخر كلامه (لم يُعد) صوابه: لم يوعد.
(¬٥) «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٣٣٨).
(¬٦) «نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» لإسماعيل الكردي (ص/١٦١).

الصفحة 890