كتاب مسند أحمد ت شاكر (اسم الجزء: 4)

عن النبي -صلي الله عليه وسلم - قال: "السمعُ والطاعةُ عِلى المرء فيما أَحبَّ أو كَره، إلا أن يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة".
__________
= في أداء ما أمروا به، ما وجدوا للتقصير سبيلا، لا يلاحقهم فيه عقاب أو خوف. وكل هذا باطل وفساد، تختل به أداة الحكم، وتضطرب معه الأنظمة والأوضاع. إذا لا يرون أن الطاعه واجبة عليهم، وإذ يطعون- في بعض ما يطيعون- شبه مرغمين، إذ لم يوافق هواهم ولم يكن مما يحبون. أما الشرع الإسلامي، فقد وضع الأساس السليم، والتشريع المحكم، بهذا الحديث العظيم. فعلى المرء المسلم أن يطيع من له عليه حق الأمر من المسلمين، فيما أحب وفيما كره، وهذا واجب عليه يأثم بتركه، سواء أعرف الآمرُ أنه قصرّ أم لم يعرف، فإنه ترك واجباً أوجبه الله عليه وصار ديناً من دينه، إذا قصّر فيه كان كما لو قصَر في الصلاة أو الزكاة أو نحوهما من واجبات الدين التي أوجب الله. ثم قيد هذا الواجب بقيد صحيح دقيق، يجعل للمكلف الحقَّ في تقدير ما كُلف به، فإن أمره من له الأمر عليه بمعصية، فلا سمع ولا طاعة. لا يجوز له أن يعصى الله بطاعة المخلوق، فإن فعل كان عليه الإثم كما كان على من أمره، لا يعذر عند الله بأنه أتى هذه المعصية بأمر غيره، فإنه مكلَّف مسؤول عن عمله، شأنه شأن آمره سواءً. ومن المفهوم بداهة أن المعصية التي يجب على المأمور أن لا يطيع فيها الآمر، هي المعصية الصريحة التي يدل الكتاب والسنة على تحريمها، لا المعصية التي يتأول فيها المأمور ويتحايل، حتى يوهم نفسه أنه إنما امتنع لأنه أمر بمعصية، مغالطة لنفسه ولغيره. ونرى أن نضرب لذلك بعض المثل، مما يعرف الناس في زماننا هذا، إيضاحاً وتثبيتاً:

1 - موظف أمره من له عليه حق الأمر أَن ينتقل من بلد يحبه إلى بلد يكرهه، أو من عمل يرى أنه أهل له، إلى عمل أقل منه، أوأشد مشقة عليه. فهذا يجب أن يطيع من له عليه حق الأمر، لا مندوحة له من ذلك، أحب أو كره، فإن أبي من طاعة الأمر كان آثمَاً، وكان إباؤه حراماً، سواء أبي إباء صريحاً واضحاً، أم أبي إباء ملتوياً مستوراً؟، بتمحل الأسباب والمعاذير. ولقد يرى المأمور أنه بما أمر به مغبون، أو مظلوم مهضوم الحق، وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكنه يجب عليه أن يطيع في كل حال، فإن الظلم في مثل هذه الأمور أمر تقديري، تختلف فيه الأنظار والآراء، والمأمور في هذه الحال ينظر لنفسه، =

الصفحة 350