كتاب مسند أحمد ت شاكر (اسم الجزء: 4)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
= ويحكم لنفسه، فمن النادر أن يكون تقديره للظلم الذي ظن أنه لَحِقه تقدير صحيح، لما يشبه أن يكون من غلبة الهوى عليه. ولعل آمره أقدر على الإحاطة بالمسئلة من وجوه مختلفة، ولعل تقديره إذ ذاك أقرب إلى الصواب، إذا لم يكن فعل ما فعل عن هوى واضح وتعنت مقصود. والظلم في مثل هذا حرام، ولكنه حرام على الآمر، أما المأمور فلم يؤمر بمعصية، لأن ما أمر به في ذاته ليس معصية، إنما المعصية في إصدار الأمر على غير جهة الحق.

2 - نرى بعض القوانين تأذن بالعمل الحزام الذي لا شك في حرمته، كالزنا، وبيع الخمر ونحو ذلك، وتشرط للإذن بذلك رخصة تصدر من جهة مختصة معينة في القوانين. فهذا الموظف الذي أمرته القوانين أن يعطى الرخصة بهذا العمل إذا تحققت الشروط المطلوبة فيمن طلب الرخصة، لا يجوز له أن يطيع ما أمر به، وإعطاؤه الرخصة المطلوبة حرام قطعاً، وإن أمره بهذا القانون، فقد أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة. أما إذا رأى أن إعطاء الرخصة في ذلك حلال، فقد كفر وخرج عن الإسلام، لأنه أحل الحرام القطيعي المعلوم حرمته من الدين بالضرورة.

3 - نرى في بعض بلاد المسلمين قوانين ضُربت عليها، نقلت عن أوربة الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح بديهي، لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه أو يعاديه من حيث لا يشعر. وهي في كثير من أحكامها أيضاً توافق التشريع الإسلامي، أو لا تنافيه على الأقل. وإن العمل بها في بلاد المسلمين غير جائز حتى فيما وافق التشريع الإسلامي، لأن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوربة أو لمبادئها وقواعدها، وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه، فهوآثم مرتذ بهذا، سواء أوضع حكماً موافقاً للإسلام أم
مخالفاً. وقد وضع الإمام الشافعي قاعدة جليلة دقيقة في نحو هذا، ولكنه لم يضعها في الذين يشرعون القوانين عن مصادر غير إسلامية، فقد كانت بلاد الإسلام إذ ذاك بريئة من هذا العار، ولكنه وضعها في المجتهدين العلماء من المسلمين، الذين يستنبطون الأحكام قبل أن يتثبتوا مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، ويقيسون ويجتهدون برأيهم على غيرأساس صحيح، فقال في كتاب (الرسالة) رقم 178 بشرحنا وتحقيقنا: "ومن =

الصفحة 351