كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)
حُجَّتُنَا، أضافَها اللَّهُ لنفسِه تشريفًا وَإِعْظَامًا.
{آتَيْنَاهَا} أي: أَعْطَيْنَاهَا {إِبْرَاهِيمَ}، فَهَّمْنَاهُ إِيَّاهَا، وَأَلْهَمْنَاهُ إِيَّاهَا {عَلَى قَوْمِهِ}، هذه الحجةُ يَحْتَجُّ بها على قومِه الكفرةِ الذين يجادلونَه، كما قال: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} [الأنعام: آية ٨٠] حتى يُفْحِمَهُمُ ويلقمَهم الحجرَ.
ثم قال: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} [الأنعام: آية ٨٣] هذه الآيةُ تَدُلُّ على أنَّ مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْحُجَجَ، ومناظراتِ الخصومِ التي يُثْبِتُ بها التوحيدَ، ويدفعُ بها شُبَهَ المُبْطِلِينَ، أن هذا رَفْعٌ من اللَّهِ في درجاتِه، حيث أَتْبَعَ قولَه: {حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} أَتْبَعَهُ بقولِه: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} أي: كما رَفَعْنَا درجةَ إبراهيمَ بِمَا آتَيْنَاهُ من تلك الحجةِ التي صَدَعَ بها بالحقِّ، وَقَهَرَ بها الخصومَ.
أما على قراءةِ الجمهورِ: {نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ} بالإضافةِ، فالدرجاتُ: مفعولٌ به لـ {نَرفَعُ} و {مَّن نَّشَاءُ} مضافٌ إليه ما قَبْلَهُ. وَمَنْ رُفِعَتْ درجاتُه فَقَدْ رُفِعَ (¬١)، كقولِه: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} وفي الحديثِ: «اللَّهُمَّ ارْفَعْ دَرَجَتَهُ» (¬٢) والدرجةُ: المرتبةُ والمنزلةُ، فَإِنَّ مَنْ رُفِعَتْ درجتُه ومنزلتُه فقد رُفِعَ، وعلى هذا فمعناهُ: نَرْفَع رُتَبَ وَمَنَازِلَ مَنْ نشاءُ أن نرفعَ رتبتَه ومنزلتَه.
---------------
(¬١) انظر: القرطبي (٧/ ٣٠)، البحر المحيط (٤/ ١٧٢)، الدر المصون (٥/ ٢٦).
(¬٢) قطعة من حديث أم سلمة عند مسلم (في وفاة أبي سلمة رضي الله عنه). كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حُضر. حديث (٩٢٠) (٢/ ٦٣٤).