كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 1)
لو كان يخلقُ الخلقَ ولا يُكَلِّفُهُمْ ولَا يُجَازِيهِمْ كَانَ خَلْقُهُ إياهم كأنه مِنَ الْعَبَثِ، وَمَنْ ظَنَّ أن اللَّهَ يفعلُ هذا لَا لِحِكْمَةٍ فَوَيْلٌ لَهُ مِنَ النَّارِ، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: آية ٢٧] {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَاّ بِالْحَقِّ} [الدخان: الآيتان ٣٨، ٣٩] وقال جل وعلا: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: آية ١١٥] ثُمَّ نزَّه نفسَه عن هذا - وهو محلُّ الشاهدِ - فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: آية ١١٦] تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عن أن يخلقَ هذا العالمَ عَبَثًا من غيرِ تكليفٍ ولَا جزاءٍ، لا يكونُ ذلك أبدًا. وَمِنْ هنا لَمَّا قالوا: لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، وليست هنالك كُتُبٌ على ضَوْئِهَا التكاليفُ والجزاءُ، بَيَّنَ اللَّهُ أنهم ما قَدَرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، وَلَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، حيث يتركُ هذا العَالَمَ سُدًى عَبَثًا: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: آية ٣٦] لَا وَكَلَاّ. ثم قَالَ: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ تُمْنَى} وفي القراءةِ الأُخْرَى: {يُمْنَى} (¬١)
{ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} [القيامة: الآيات ٣٦ - ٣٨] فهؤلاء الذين نَفَوْا إنزالَ الكتبِ على الرسلِ وتكليفَ الخلائقِ ومجازاتِهم، هؤلاء ظَنُّوا باللَّهِ أنه خَلَقَ الخلقَ عَبَثًا، ولم يَخْلُقْهُ لِلْحِكَمِ البالغةِ، فما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ولا عَرَفُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ {إِذْ قَالُوا} حِينَ قَالُوا: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} [الأنعام: آية ٩١] المعروفُ عندَ جماعةِ المفسرين: أن مالكَ بنَ الصيفِ لَمَّا قال: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَيْءٍ} قالوا: إِنَّ قَوْمَهُ قالوا: كيفَ تُنْكِرُ إنزالَ شيءٍ على أحدٍ
---------------
(¬١) انظر: المبسوط لابن مهران ٤٥٣ ..
الصفحة 498